بتاريخ ٢٠ / ١٢ / ١٤٤١ هـ


لسماع المحاضرة صوتًا

( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )

قال النبي ﷺ «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا، هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ، مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ …»] أخرجه مالك في الموطأ، وقال الألباني: ضعيف وهو مرسل [

يكون يوم عرفه الذي يعتق الله -عزوجل- فيه عباده من النار وتتنزل المغفرة والرحمات يوماً شديدًا على الشيطان الذي نعتقد

أنه السبب الأكبر الذي يحول بيننا وبين الله -عزوجل-. فقد ذُكر الشيطان في القرآن أكثر من ٩٩ مرة، وهذا الرقم المهول دليل على خطره وعداوته، فقد قال الله -عزوجل -«إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً» [فاطر ٦]

إذن هو ليس شيئاً عاديًا، إنما هو عدو! ومعنى أنه عدو أنه يحاربنا ولديه أسلحة وجيش. وكل ذلك يفعله من أجل الصدّ عن سبيل الله، لذلك علينا أن نفهم طبيعة المعركة التي نعيش فيها ونتذكر من هو الشيطان وما هي أساليبه وأهدافه! وماذا يريد منا؟

وقد بدأت قصته منذ أن خلق الله -عزوجل- آدم -عليه السلام- وأمر الملائكة بأن تسجُد له. بدأت العداوة منذ لحظة رفض الشيطان للسجود حين قال

“أأسجد لمن خلقت طينا ؟” تكبر إبليس فجاء أمر الله -عزوجل- بأن يُلعن ويُطرد من رحمة الله.

فقال إبليس لربه: «قال أرءيتك هذا الذي كرمت عليّ لئن أخرتنٍ إلى يوم القيامة لأحتنكنّ ذرِّيّته إلا قليلاً» [الإسراء ٦٢]

و(أحتنكنّ) من الحنك، أي سيلجمهم بلجام في أذقانهم يقودهم كما يقود السائس الفرس، وهذا ما يريد الشيطان أن يفعله في بني آدم.

قال -عز وجل- «قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ

وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا» ]الإسراء٦٣٦٤[

الشيطان يعلم جيدًا أنه هالك لا محالة، ولكنه طلب من الله -عز وجل- أن يؤخرعذابه إلى يوم القيامة حتى يتسلط على آدم عليه السلام

وذريته ويجمع أكبر قدر من الناس معه في النار ولا يدخلها وحده. لذلك عليك أن تضع هذا نصب عينيك في كل مرة يوسوس لك الشيطان بذنب أو تقصير أو تفريط.

بدأ الشيطان بالوسوسة لآدم وهو في الجنة حتى أخرج الله آدم منها في القصة المعروفة. ومنذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا 

والشيطان الذي وسوس لآدم لا يزال متربعاً على عرشه على الماء ويبعث سراياه وجنوده ليغووا في بني آدم، وهذا كله لحكمة من الله وهي امتحان عباده وابتلاؤهم بصدق إيمانهم.

فالشيطان يترصد لبني آدم ويأتيه من شتى الطرق ويحاول أن يضلّه ويغيّر فطرته ويأمره بأن يغيّر من خلق الله، ويمنِّيه بطولة العمر

وأنه لا يزال لديه وقت للتوبة. وحينما يصل الشيطان إلى مراده، يتولى ويتخلى عنه في اللحظة الأهم التي يريد فيها الإنسان أن يقف الشيطان معه. لذلك قال الله -عزوجل-

«كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنك..»] الحشر١٦]


ابن القيم اختصر هذه الأمور في سبعة مداخل للشيطان:

المدخل الأول: الكفر بالله،  فالشيطان يريدك أن تكفر، ولا تظنّ أن بينك وبين الكفر مسافة طويلة،  فالتنازل

لا قعر له والشيطان لا يرضى أن يوقفك إلا بعد تلطيخك، حتى يضعف إيمانك فتكفر بالله. وحين تكفر يتبرأ منك، بعد أن حقق مراده الأهم وهو أن تكفر بالله وتكون خالدًا مخلدًا في النار.


المدخل الثاني: أن يوقعك في بدعة، والبدعة هي أن تعبد الله بغيرالطريقة التي أمرك بها، أو بأمر

لم يذكر في سنة الرسول ﷺ، كالدعاء في آخر يوم بالسنة أو تحديد رقم معين في الذكر وكأنه أحرى بالاستجابة.


المدخل الثالث: أن يوقعك في كبائر الذنوب، فالشيطان لايريد أن يوقعك في صغائر الذنوب

كـنظرة أو همزٍ ولمز، بل يريد إيقاعك بكبائر الذنوب كالسحر، أو القتل، أو الغيبة.


المدخل الرابع: أن يوقعك في صغائر الذنوب، صغائر الذنوب التي استسهلتها، وصارت من ممارساتك اليومية

وتظن أن الله لن يحاسبك عليها، حتى يجرّك هذا الذنب إلى الذنب الآخر وهكذا إلى أن تصل إلى الكبائر ثم إلى البدعة ثم إلى الكفر.


المدخل الخامس: التوسع في المباحات، فعندما تخرج المباحات عن سياقها الطبيعي وتزداد سواء كان أكلاً، نوماً، أو نظراً، تجعلك أضعف

وأقرب إلى اتباع الشيطان. فكم تفوتنا الخيرات بسبب النوم الزائد؟ فالشيطان لو لم  يفز منك إلا أن تنام طوال الوقت فهذا مكسب بالنسبة له.


المدخل السادس: أن يشغلك بالأقل أفضلية عن الأعلى أفضلية، الشيطان إن لم يفز في إيقاعك بالذنب

يبدأ يجادلك في الخير الذي تريده. فمثلاً كنت تريد التصدق بمبلغ معين فهو يوسوس لك أنك ستحتاجه، أو كنت تريد أن تزيد من صلاتك فيوسوس لك بعدم توفر الوقت.


المدخل السابع: تسليط الناس، إن لم يفز في إيقاعك بالذنب وكنت جدارًا صلبًا أمام كل المداخل  السابقة فسيبدأ

بتسليط  شياطين الإنس عليك علّهم أن يكسروا شيئًا من حدة إيمانك. كأن ترتدي  إحداهنّ الحجاب الشرعي فتقول لها إحدى شياطين الإنس ماهذا الحجاب؟ ومن أي عصر قدمتِ؟


ماهي خطوات وأساليب الشيطان في إضلال العباد ؟

أن يعرض الفكرة فقط، فالشيطان يعرضها لك دون تزيين، ما رأيك فيها ؟ وماذا سيحصل لو فعلت هذا ؟ وهذا من الشر.


أن يلقي في قلبك مايريد، فتبدأ بسؤال نفسك لماذا لا أفعل هذا؟ أفعلها ولن يتغير شيء! فيلقي فيك الشيطان ما يريد إلقاءه. قال الله -عزوجل-

«لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد»] الحج ٥٣[


التكرار، أنت لست ضعيفًا لهذه الدرجة، وبالتأكيد عندما يوسوس لك الشيطان على الحرام لن تقوم له مُباشرة، لكن عندما يرى بأنك

أرخيت قليلًا يبدأ بتكرار فعل المعصية  عليك. قال الله -عزوجل- في سورة الناس «من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس». الوسواس الخناس هو الذي تطرده فيرجع.


الأَز، فالشيطان هنا يقول لك قم وافعل المعصية، الجميع يقومون بهذا وأنت لاتزال مكانك! فيبدأ يؤزك بكل مايملك من طاقة. قال الله -عزوجل- عن ذلك «ألم ترى أنّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزَّا». [مريم ٨٣] وقد يكون لديك القليل من الممانعة، ولا تزال مترددًا وخائفًا من الإقدام على المعصية، فيبدأ الشيطان  يعدك ويمنّيك، يقول الله -عزوجل- «يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً». ]النساء ٩٧ [  فالشيطان لايريدك فقط أن تفعل الشر وإنما يريد أن يزينه بعينك ويجعله أمرًا مرغوبًا!


الترهيب، فيقول لك إذا لم تفعل كذا فإنك ستخسر، ويبدأ هنا بتخويفك بالرزق، بأن الدنيا ستضيق عليك ولن تأخذ حظك من الدنيا، قال الله عزوجل

«إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين».] آل عمران ١٧٥ [


تسهيل طريق المعصية والضلال، تفتح هاتفك فترى أمامك العديد من الحسابات تزين وتسهل عليك الوصول للمعاصي، فتجد دومًا ما تحاول نسيانه أمامك. قال الله -عزوجل-

«إن الذين ارتدوُّا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى الشيطانُ سوَّل لهم وأملى لهم». ] محمد ٢٥ [


الهمز والنزغ والنخز، هذه الهمزات هي التي تأتيك وأنت لا نية لك بالشر لكنه لايترك لك فرصة إلا ويحاول أن يهمز لك فيها.

كأن تكون جالسًا في مجلس مع أصحابك فيمر أحدهم أمامك فيقوم الشيطان بنزغك هل رأيت حاله وملابسه ومن أي عصرأتى؟!    

قال تعالى «إنما النجوى من الشيطان ليحزُن الذين آمنوا وليس بضارّهم شيئًا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكلِ المؤمنون». [المجادلة ١٠]


المتابعة، فالشيطان لايزال يتبعك خطوة بخطوة، فترى بأنك تريد فعل الشر، لماذا؟ لأن الشيطان يتتبعك ويحاول أن يتحكم بك.


الاستحواذ على قلبك، قال الله -عزوجل- «استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكرالله». [المجادلة ١٩] 

فإذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة وأصبح عبدًا للشيطان يتحول من مجرد شخص يستمع لوسواس الشيطان إلى شخص يجادل ويدافع ويدعواالناس لفعل المعاصي.


كيف نعالج وساوس الشيطان ؟

الاستعاذة من الشيطان، واللجوء إلى الله ليعيذك من شره، قال تعالى «وقل ربِّ أعوذ بك من همزاتِ الشيطان» ]المؤمنون ٩٧ [

وقال تعالى «فأما ينزعنك من الشيطان نزعٌ فاستعذ بالله». [الأعراف ٢٠٠] 

فإذا استعذت بالله قطعت عليه كل تلك الأساليب، فلا يوجد أحد منّا  يخلو من أن يحاول معه الشيطان، لكن أنت لا تستمر بتلك الخواطر

ولا بتلك الأفكار قف من تلك البداية. ولذلك أرشدنا الله -عزوجل- إلى السبيل لذلك وهو الاستعاذة بالله من الشيطان.


كثرة الأذكار، الأذكار البسيطة التي تقرأها في سيارتك أو في صلاتك تحميك، ولذلك أمرنا بالمحافظة على هذه الأذكار، فإذا فعلنا ذلك

قال الشيطان لمن بعده ليس لكم مبيت ولا عشاء. وإذا خرج الإنسان وقال بسم الله توكلت على الله قال كيف لكم بعبد هُدِي وكُفِي ووُقِي.


قراءة القرآن وقراءة سورة البقرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. [أخرجه مسلم، صحيح]


أن لا يدخل بيتك شيء يبعد الملائكة عنك، عن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا طَلْحَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:

«لاَ تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلاَ صُورَةُ تَمَاثِيلَ» [أخرجه البخاري، صحيح]


رقية العائلة الأولاد والتوكل على الله، وتعوذيهم واستوداعهم لله.


كيف نتغلب على منافذ الشيطان ؟

الشيطان يدخل من الجهل، وهوى النفس، ومن الغفلة

فأما الجهل: فكلما تعلمت أكثر ذهب الجهل عنك.

وأما الهوى: فكلما جاهد الإنسان نفسه تغلب على هواه.

وأما الغفلة: فكلما ذكر الإنسان ربه واستعاذ من شيطانه تغلب عليه ورد كيده إلى الضعف.

أسأل الله أن يعيذنا من الشيطان وأن يجعلنا من أهل الله وخاصته وأن يحبب إلينا الإيمان ويزينه  في قلوبنا وأن يكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان.


تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.