بتاريخ ٣/ ٤/ ١٤٤٣ هـ


لسماع المحاضرة صوتًا

( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،

من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا رسول الله.

أما بعد،

في كثير من الدروس التي نأخذها ونتدارسها في هذه الاثنينية نتحدث فيها عن مجموعة من الأعمال الصالحات، ومن مداخل الإيمان التي تقرّب بين العبد وبين ربه.

ومن خلال كل هذه الدروس كنا نحاول أن نجد خطوات لو أن الإنسان اتبعها وسار عليها سيكون الطريق ممهدًا له لعبوديته مع ربه.

إلا أننا نتفاجأ أحيانًا أن الطريق ليس بهذه السهولة، ونتفاجأ أيضًا أن القرب من الله ليس سهلًا كما نتخيله، ثم يرضى بعضنا أن يكون بعيدًا ومكانته بعيدة عن الله عز وجل.

وهنا يطرح السؤال: من من الناس لا يحب أن يكون قريبًا من الله؟!

إذن البعد عن الله عز وجل هو الشيء الذي نهرب منه، وهو الذي لا نطيقه أصلًا.

البعد عن الله ليس مجرد شعور، بل هو عقوبة حقيقية تُسلط على من أهمل الطاعات،

وضيّع فرص المواسم كرمضان، أو كان مقصرًا في برّ والديه، أو لا يصلي على النبي ﷺ عند ذكره.

هذا البعد وصفه النبي كدعاء بطرد من رحمة الله، وهو أعظم ما يمكن أن يصيب الإنسان. إنك حين تُبعد عن الله،

تكون مقطوعًا عن الرحمة، عن السند، عن الأمان، فتعيش متوحشًا، ولا تجد ملجأ تلجأ إليه.

هل تعلم ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الخمر؟

بيّن النبي ﷺ أن الخمر ليست مجرد ذنب على الشارب فقط، بل سلسلة من الملعونين تشمل كل من شارك في تصنيعها أو بيعها أو إيصالها، فكلهم في حكم الملعونين والمطرودين من رحمة الله.

وكذلك من تساهل في مثل هذه الكبائر، فالقضية ليست حجم الذنب فقط، بل التساهل فيه، والمجاهرة به، والتقليد الأعمى.

ممن استحقّ اللعن والإبعاد عن رحمة الله كذلك ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر

تذكر الكاتبة أحاديث أخرى عن المطرودين من رحمة الله، كالمتشبهين من الرجال بالنساء والعكس، والنمص والوشم وتغيير خلق الله لأجل الزينة.

وتشير إلى كيف أصبح التقليد سببًا في اختيار الطرد من رحمة الله، من أجل معايير جمال زائفة لا تمت للشرع بصلة.

أما الناس الذين يحبون الله سبحانه، ومع حبهم هم يهابونه ويخافونه، فما هي الأشياء التي تخيفهم؟

أربعة أشياء يخاف منها المحبون لله: أن يُعرض الله عنهم، أن يُحجبوا عنه، أن يتوقفوا عن التقدم في الطاعات، وأن يكون إيمانهم في نقص.

هؤلاء لا يخافون المصائب بقدر ما يخافون أن يعيشوا لحظة بدون شعور القرب من الله، أو أن تُغلّف قلوبهم بقسوة الذنوب.

كما يخافون من سوء الخاتمة، ومن أن يختم لهم بخاتمة لا تليق بمحبتهم لله.

فالصالحون في كل مجتمع كلّما رأوا الناس انفتحت عليهم أبواب الشر

يزداد الصالحون في الطاعات كلما كثر المنكر من حولهم، لأنهم يعلمون أن الثبات لا يكفي،

بل لا بد من زيادة القرب من الله ومسابقة الخيرات، إذ إن الإيمان لا يبقى على حال، بل إما أن يزيد أو ينقص.

ولهذا كانت وصيتهم مراقبة النفس ومحاسبتها، والحرص على التقدم في مراتب الطاعة.

قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»

النبي ﷺ نفسه رغم انشغاله بالطاعات والدعوة كان يشعر أحيانًا بضيق في القلب، مما يجعله يستغفر الله كثيرًا. وهذا تعليم لنا أن الاستغفار ليس فقط للذنوب،

بل لتجديد القلب وتنقيته، وأن القرب من الله لا يأتي إلا بكثرة الذكر ومحاسبة النفس والسعي الدائم للتطهر.

قال ابن الجوزي-رحمه الله-: هناك عقوبات معنوية لا يشعرها الإنسان.

أحيانًا يُحرم الإنسان من لذة القرب والمناجاة ولا يدري، وهذه من أعظم العقوبات التي لا تُرى. فقد يعيش في النعم الظاهرة وهو محجوب عن الله عز وجل.

وسعادة القلب لا تكون إلا بالقرب منه، وهذا القرب يُنال بالتوبة والذكر والخلوة والصدق.

فحينما قال تعالى: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ…)

المقربون عند الله هم أهل الطمأنينة والسكينة، لهم روح وريحان وجنة نعيم. راحة القلب وسلامه لا تُشترى ولا تُحصّل بدورات ولا وسائل دنيوية، بل هي ثمرة القرب من الله.

فمن أراد هذه السكينة فعليه أن يختار طريق القرب، لا طريق الحرام.

ودعونا نختم بجواب لهذا السؤال: كيف أنال لذّة القرب؟

الطريق إلى لذة المناجاة والقرب يبدأ بالمسابقة إلى الله، والاستباق إلى الخيرات، وأن يكون لك وقت تخلو فيه إلى الله.

في جوف الليل، في السجود، في لحظات الانكسار، هناك يكون الله أقرب إليك من كل شيء.

يقول الله في الحديث القدسي: «وإن تقرب إليّ شبرًا، تقربت إليه ذراعًا…». فكلما أسرعت أنت إلى الله، أسرع هو إليك.

وبهذا تحيا القلوب، وتطمئن الأرواح، ويُحاط العبد برحمة لا حدود لها.

أسأل الله أن يعطينا ولا يحرمنا وأن ينفعنا بما علمنا ويعلمنا ما ينفعنا وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم أن نلقاه،

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.