بتاريخ ٤/ ١١/ ١٤٤٢ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
سيف الله المسلول
حديثنا عن بطل من أبطال هذه الأمة وفارس من فرسانها، صحابي عاش مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ودرس في مدرسته،
قال المؤرخون عن هذا الفارس: “لم يهزم في معركة قط لا في جاهلية ولا في إسلام”. ففارسنا لم يهزم قط، وليست هذه من عادة الفرسان،
الفارس المعروف وكثيرًا ما يُعرف بـ”سيف الله المسلول” هذه دعوة للتعمق سيرة هذا البطل؛ لنرى كيف نشأ هذا الفتى منذُ صغره.
نشأته:
خالد بن الوليد نعرفه بهذا الاسم لكن المفاجأة أنه هو بذاته بشحمه ولحمه ابن الوليد بن المغيرة؛
الوليد بن المغيرة الذي عادى النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان من أكثر المعاندين له قولًا وفعلًا.
وكانت قبيلته ذات شرف ومكانه وجاه وسؤدد دائمًا هذه الكلمات تأتي بجانب قبيلته، وكان على قدر كبير من الثراء والجاه.
ففي الجو المترف نشأ خالد وتربّى على الفروسية إلا أن خالدًا لم يكن مثل أي فارس.
موقفه من دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- :
ظهرت نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان خالد من أوائل المعاندين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ،
فما كان من أسرته إلا أنها عادت النبي -صلى الله عليه وسلم- من البدايات، وخالد طبعًا كان من ضمن هؤلاء.
عبقريته في غزوة أحد:
في غزوة أحد كان سبب هزيمة المسلمين خالد، اذ قاتل في هذه المعركة وكانت من آثار هذه الهزيمة مقتل سبعين من الصحابة -رضوان الله عليهم-
ومن أعظمهم حمزة ومصعب بن عمير -رضي الله عنهما- وهم من أكابر الصحابة الذين قتلوا وما كان الأمر هيّنا حينما نقول أن في بدر قتل تقريبًا ما يقارب من ثلاث عشر رجلًا مثلًا،
لكن في غزوة أحد قتل سبعين فالعدد كبير بالنسبة للصحابة وكان السبب في ذلك بعد الله -عز وجل- خالد الذي ألحق الهزيمة بجيش المسلمين،
وضعوا هذا الموقف على جنب حتى نعرف من هو خالد الذي ظلت له هذه المكانة.
قصة إسلامه:
لما كانت السنة التي جاء فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- ليعتمر وهذا أول دخول له بعد سنوات، وهو يمشي ويطوف التفت إلى الوليد وسأله أين خالد؟
لم تذكر كتب السيرة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- سأل عن أي أحد إلا عن خالد! وخالد كان قد اختبئ وهرب من مكة لأنه لا يريد أن يشهد أن رسول الله يدخل مكة عنوةً،
فلاحظوا كمية الغيظ، يقول خالد : “دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيّةِ، فَتَغَيّبْت فَلَمْ أشهد دخوله، وَكَانَ أَخِي الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ دَخَلَ مَعَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيّةِ،
فَطَلَبَنِي فَلَمْ يَجِدْنِي فَكَتَبَ إلَيّ كِتَابًا فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، أَمّا بَعْدُ: فَإِنّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِك عَنْ الْإِسْلَامِ، وَعَقْلُك عَقْلُك!
وَمِثْلُ الْإِسْلَامِ جَهِلَهُ أَحَدٌ؟ وَقَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْك فَقَالَ: أَيْنَ خَالِدٌ؟ فَقُلْت: يَأْتِي اللهُ بِهِ. فَقَالَ: مَا مِثْلُهُ جَهِلَ الْإِسْلَامَ!
وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَجَدَهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَقَدّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ. فَاسْتَدْرِكْ يَا أَخِي مَا فَاتَك، فَقَدْ فَاتَتْك مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ” [مغازي الواقدي]
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الكلام لخالد وهو الذي كان سببًا في قتل حمزة ومصعب وسبعين من الصحابة وهو الذي لم يهزم الجيش الإسلامي إلا كان بتلك المعركة وبفكرة منه،
فخرج الوليد يبحث عن أخيه يريد أن يبلغه الرسالة فلم يجده، فترك له أخوه رسالة، فلما قرأ خالد الرسالة تأثر كثيرًا، وتحرك الإسلام في قلبه،
ثم لم يرَ خالد بد من أن يسلم جاشت في نفسه تلك المشاعر فخرج يريد الإسلام،
يقول خالد بن الوليد: “فَأَدْلَجْنَا سَحَرًا فَلَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ حَتَّى الْتَقَيْنَا بِيَأْجِجَ فَغَدَوْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْهَدْأَةِ فَنَجِدُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بِهَا
فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ فَقُلْنَا وَبِكَ قَالَ: أَيْنَ مَسِيرُكُمْ قُلْنَا مَا أَخْرَجَكَ فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمْ قُلْنَا الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَاتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ : وَذَاكَ الَّذِي أَقْدَمَنِي، قَالَ: فَاصْطَحَبْنَا جَمِيعًا حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَأَنَخْنَا بِظَهْرِ الْحَرَّةِ رِكَابَنَا فَأُخْبِرَ بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عليه وسلم فَسُرَّ بِنَا،
فَلَبِسْتُ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِي، ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَقِيَنِي أَخِي فَقَالَ أَسْرِعْ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُخْبِرَ بِكَ فَسُرَّ بِقُدُومِكَ وَهُوَ يَنْتَظِرُكُمْ،
فَأَسْرَعْنَا الْمَشْيَ فَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ فَمَا زَالَ يَتَبَسَّمُ إِلَيَّ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، فَقُلْتُ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولَ اللهِ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ، قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا رَجَوْتُ أَنْ لَا يُسْلِمَكَ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ رَأَيْتَ مَا كُنْتُ أَشْهَدُ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ عَلَيْكَ مُعَانِدًا عَنِ الْحَقِّ فَادْعُ اللهَ يَغْفِرْهَا لِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ كُلَّ مَا أَوْضَعَ فِيهِ مِنْ صَدٍّ عن سبيلك”[مغازي الواقدي].
بطولاته في الإسلام:
١/ غزوة مؤتة:
مر شهران فقط عن إسلام خالد وكان ضمن كتيبة ذاهبة إلى غزوة مؤتة، وكانت هذه المعركة من المعارك ضد الروم الغساسنة،
وكانوا قد قتل اثنان من الرُسل فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يثأر لهما لأن الرسل لا تقتل، فخرج هذا الجيش وكان قوامهم ثلاث آلاف مسلم وكان المفترض أنهم يقاتلون قبيلة فقط لا أكثر،
لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعرف ويوحى إليه مالا يعرفه الآخرين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،
قَالَ: أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ»
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنْتُ فِيهِمْ فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ، فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَوَجَدْنَاهُ فِي القَتْلَى، وَوَجَدْنَا مَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ، مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ ” [أخرجه البخاري، صحيح]
ولم تكن بعادة الرسول أن يعقد القيادة لثلاثة إلا لأمر جلل، وبعد فترة من القتال يموت زيد بن حارثة -رضي الله عنه- في المعركة كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-
فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- ، ثم أخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- وأيضًا قتل.. فلما سقطت راية المسلمين اهتز الجيش،
فما كان من ثابت بن الأرقم أحد الصحابة رضوان الله عليهم إلا أن أخذ الراية وكان من الشباب الصغار،
فأخذ الراية فلما أخذ الراية اجتمع المسلمين عليه فالتفت هو إلى خالد، وخالد كان يكنّى بأبي سليمان، قال: “أبا سليمان خذ الراية”،
أي خذها كُن أنت القائد، فأصبحوا في خطر صاروا بدون قائد والجيش محفوف بمائتي ألف مقاتل من جيش الروم.. ففي هذه اللحظة خالد القائد الفارس لم يقل أنا لها
وإنما قال: “لا لست أنا من يقود خذها أنت، أنت أسبق مني أنت شهدت بدرًا ” ، فلم ينظر إلى تاريخه العسكري وما نظر إلى خبراته إلى بطولاته
نظر فقط إلى أن الأسبقية هي فيمن سبق مع رسول الله وليس فيمن سبق بخبرته أو في جاهه أو في علمه، فما كان من ثابت رضي الله عنه- إلا أن قال: “والله ما أخذت الراية إلا لك”
ثم نادى في المسلمين “أترضون بإمرة خالد؟” قالوا قد اجتمعنا عليه فأمروا خالدا عليهم.
خالد في دقائق استطاع أن يغير الخريطة، خالد كان يملك تلك العبقرية وذلك التخطيط مباشرة في لحظتها غير الميمنة والميسرة وجعل هناك قلبا وجعل هذا القلب هو الذي يقتحم،
أخذ مجموعة من المسلمين أرجعهم إلى الوراء وكأنه جاءهم إمداد .. والروم ينظرون؟ غيّر الرايات فكأنه مدد جديد جاء إليهم،
فالروم في لحظة ظنوا أن هناك مدد أتى فتراجعوا، في هذه اللحظة خيّم الليل فرجع خالد غيّر الخطة، غيّر الرايات والأماكن فلما أصبح الروم وجدوا أن الوجوه جديدة ليست وجوه من التقوا بالأمس فظنوا أن هناك مدد قادم،
فبدأ الروم يتراجعون فاقتحم عليهم خالد وكان قد أعدّ خطة للانسحاب كأنه انسحاب تكتيكي، لأن الآن أعظم شيء يريده خالد هو فقط كيفية إنقاذ هذا المتبقي من الجيش،
هذا العقل الذي امتدحه النبي -صلى الله عليه وسلم- خالد صنع به الأعاجيب، وما من معركة وما من ليلة كان ينامها خالد ولا ينيم إلا على تعبئة،
وكان يعرف عن عدوه أكثر من الذي يعرفه عن نفسه، فنحن نتكلم الآن على نوع من العبقرية ليس مجرد بسالة أوشجاعة، بقي خالد -رضي الله عنه-
بعد غزوة مؤتة يقاتل في صف النبي -صلى الله عليه وسلم-، كان معه في فتح مكة وكان أول أمراء النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين دخلوا، وأسلمه النبي -صلى الله عليه وسلم-
قيادة مجموعة من السرايا والغزوات، وهذه المعارك في كلها كان ينتصر فيها خالد ولم يهزم قط.
٣/ دوره في الفتوحات الإسلامية:
أ/ فتح الأنبار:
من المدن التي فُتحت في العراق مدينة الأنبار فكان لخالد -رضي الله عنه- قصة فيها لأنه أهلها تحصنوا وبنوا خندقا فعرف خالد -رضي الله عنه-
أنه لا يمكن أن يقتحمه فبالتالي لا يمكن أن ينتصر ويكمل الفتح إذا ما سقطت الأنبار فحاول أن يقتحمه فما استطاع فذهب إلى أضيق منطقة بالخندق
وأمر بإبل هزيلة وكبيرة السن أن تنحر فأمر أن يصنع بها جسرًا ثم لم يمر عليه حتى أمر الرماة عنده بأن يغطوهم بغطاء جوي من النبال
فبدأ الطرفين يرمون النبال على الطرف الآخر وهم يمرون الجسر من تحتهم وهذا لا يأتي فقط من شجاعة أو بسالة بل من تخطيط عسكري
وهذا لأن الناس كانت متحصنة ولا يخرج منهم إلا أعينهم فأمر خالد -رضي الله عنه- بأحسن الرماة عنده بأن يستهدفون أعينهم
فأصبحوا ما يقارب من ألف عين من الفرس في تلك المعارك فلما رأى قائدهم ماحصل صالح خالدًا وفتحت الأنبار صلحاً.
عزله عن القيادة :
بعدما سقطت فارس وانتهت إمبراطورية الفرس على يده بفتح الأنبار وفتح الحيرة وغيرها والموصل وبانتهاء هذه المعركة تنتهي دولة بيزنطة على يده أيضًا
وبقيادته فمن الطبيعي أن يكون هناك نوع من الاحتفاء بخالد -رضي الله عنه- لكن في هذه الأثناء جاء خطاب من المدينة إليه وقرأه أبو عبيدة -رضي الله عنهما-
وهذا الخطاب جاء بنبأ وفاة أبو بكر -رضى الله عنه- في وسط المعركة فلما قرأ الخطاب علم بوفاة أبو بكر وبأمر آخر قد دُون فيه وكتم الأمر وأغلق هذا الخطاب
وأمر المرسول الذي جاء به أن لا يخبر أي أحد من جيش المسلمين بهذا الخبر حتى لا يشتت تركيزهم الخبر الآخر المذكور في الخطاب
فلما انتهت المعركة قرأ خالد بن الوليد الخطاب – فإذا فيه نعي أبو بكر -رضى الله عنه- وفيه أيضًا تولي عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- الخلافة
وفيه أيضًا عزل خالد ابن الوليد وتولي أبو عبيدة القيادة فما كان من خالد إلا النزول عند الأمر وعاد بكل بساطة جندي من الجنود.
ومن أجمل الكتب التي جاءت بسيرة خالد كتاب ألفه لواء عميد ركن الجنرال (أكرم) في الكلية العسكرية في باكستان يقول هو عن سبب تأليفه لهذا الكتاب
:”نُدرِّس نحن سواء درسنا في لندن في أكاديميات عسكرية أو حينما رجعنا للدراسة في باكستان لم يكن هناك أي كتب تتحدث عن قادة المسلمين أو عن عبقرياهم في الحرب
فأخذت على عاتقي أن أكتب عن خالد بن الوليد -رضي الله عنه-” وكان كتابه في خمس مئة صفحة سافر من أجل كتابه إلى سوريا والعراق
وقام برسم خرائط دقيقة عن كل مكان فتح فيه خالد، يقول في كتابه:” بالعادة إذا تقاعد القائد الأعلى للقوات المسلحة أو الجنرال فإنه لا يرجع الى نفس الكتيبة التي كان قائد عليها
يذهب في أي مكان آخر ينقل إلى كتيبة أخرى، لأنه من الصعب أن ترجع في صف كنت يومًا من الأيام قائدهم كان يقول هذه من الصعوبة يعرفها كل قائد عسكري”،
لا تستطيع النفس البشرية أنها تتخيل أنه بهذه السهولة تنتقل القيادة من شخص إلى شخص فمن أبي عبيدة إلى خالد ابن الوليد ومن خالد إلى أبي عبيدة
ولذلك لما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “…، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ
وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ”[أخرجه البخاري، صحيح] لأن هؤلاء لا يقاتلون من أجل المناصب ولا من أجل شهرة
كان حب الله -عز وجل- وحب إعلاء دينه والتضحية في سبيله هو الشيء الذي يقاتلون من أجله ولذلك أبى خالد إلا أن يجعل في ضمن انتصاراته العسكرية أنه ينتصر على نفسه
ويسلم ولذلك هو قال كلمته المشهورة: “ما قاتلت من أجل عمر وإنما قاتلت من أجل ربِ عمر” فالأمر لم يكن شخصيًا، جاء سبب عزله في خطاب عمر-رضي الله عنه-
حينما قال:” إني لم أعزل خالدًا عن سخطه ولا خيانة ولكن الناس فتنوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع”
وبقي جنديا واستمر في ولاية أبي عبيدة بن الجراح من فتح دمشق وحمص حتى مات خالد بن الوليد فيها وجاءهم طاعون عمواس ومات كثير من الناس
من مناقبه:
فكما جاء في الحديث عن وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَقَدَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ : نِعْمَ عَبْدُ اللهِ وَأَخُو الْعَشِيرَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَسَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ سَلَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ” [أخرجه أحمد في مسنده، وقال المحقق:حديث صحيح بشواهده]
ما كانت هناك معركة بعد إسلام خالد بن الوليد -رضي الله عنه- إلا يخوضها ولم يتخلف عن غزوة قط وكان كثيراً ما يتعذر بقلة قراءته للقرآن وبقلة حفظه له
فيقول: “شغلنا الجهاد عن كثيراً من القرآن” واُشرب حب الجهاد في قلبه حتى إنه كثيراً ما يقول “ما من ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب أحب إلي من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد في سرية أصبح فيها العدو”
لاحظوا أين حبه ليست في امرأة أو في عروس يحبها وإنما في ليلة يبات فيها على ثغر ينتظر فيها أن يغير فيها على العدو.
وفاته:
حضرت خالد بن الوليد -رضي الله عنه- الوفاة وهو على فراشه، فقال عن نفسه: “لقد حضرت كذا وكذا زحفاً و ما في جسدي موضع شبر إلا فيه ضربة سيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح
و هاأنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء”
كان يرمي تفيه في كل مكان يريد أن يموت الميتة ويطلب الشهادة لكن كتب الله -عز وجل- له ألا يموت ومن جميل التفاسير
جاء أحد الذين عزوه فقالوا له “أنت سيف من سيوف الله فلا يمكن لعدو أن يقتل سيف من سيوف الله ولذلك حق لك أن تموت على فراشك لا تموت بيد عدو”
فكانت هذي من أجمل التفاسير التي سلت خالد عن عزائه أن يموت على فراشه لكنه سيف من سيوف الله ومن الذي يستطيع أن يأخذ روحه إلا ربه،
كان عمره أنذاك ثمانية وخمسون عاماً وعمره في الإسلام ثلاثة عشر عامًا فقط سطر فيها كل تلك الفتوحات أسقط إمبراطورية الفرس وأسقط إمبراطورية الروم
وحارب مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في فتح مكة إلى أن توفي ومع خلفائه، لما توفي -رضي الله عنه- بقيت نساء بني مخزوم -قبيلته-في المدينة يبكين عليه
فلما سمعهم عمر وكان ينهر النساء أن يبكين فلما سمعهن يبكين على خالد ابن الوليد قال: “دعوا نساء بني مخروم يبكين على أبي سليمان فأنهن لا يكذبن فعلى مثل أبي سليمان تبكي البواكي”
لاحظوا عمر الذي كان ينهى عن البكاء يقول “على مثل أبي سليمان تبكي البواكي”.
لما جاؤوا يعدون تركته ما وجدوا عنده إلا درعه وسلاحه وغلامه فقال عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- :”رحم الله أبا سليمان كان على غير ما ظننا”.
هذا الدين الذي صاغ أولئك الناس في ذلك العهد هو كفيل بأن بصوغ الناس إلى قيام الساعة
ولذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول “أُمَّتِي كَالْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ “[أخرجه الطبراني في الأوسط، وقال الألباني: صحيح].
فلا يظن أن تلك البطولات كانت حصراً على على هؤلاء، لا!
وإنما النساء لم يعجزن أن يلدن مثل خالد والقرآن الذي صاغ خالدا وهذا الدين الذي صاغ أولئك الفرسان كفيل بأن يصوغها
بل بشرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في آخر الزمان عشرة فرسان قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ، وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ،
هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ – أَوْ مِنْ خَيْرِ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ -» [أخرجه مسلم، صحيح]
إذاً فزمان البطولات لم يتوقف الخير مستمر إلى قيام الساعة، ولعل الله -عز وجل- الآن يصنعهم بعينه قد يكونونن موجودون بيننا،
ما يهمنا أن يكون الإنسان يقاتل عن دينه كأنه هو الوحيد الذي يقاتل عن دينه من غير أن ينتظر أي توكيل من أحد
وتكون أنت على الثغر الذي وكلك الله -عز وجل- به تحامي به عن دينه في هذا الثغر مهما ظننت أنه صغيراً في حقك.
وهذه كانت فقط سيرة سيف من سيوف الله -عز وجل- وهو خالد بن الوليد -رضي الله عنه- أسأل الله يجمعنا بهم وبصاحبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وآل بيته -رضي الله عنهم أجمعين- في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر
والحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.



