بتاريخ ١٥/ ١١/ ١٤٤١ هـ


لسماع المحاضرة صوتًا

( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدهِ الله فلا مُضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا رسول الله.
أما بعد…

حديثنا اليوم عمَّن أطلنا الغيبةَ عنه وعن أحاديثه الشجية؛ حبيبُنا النبي محمد ﷺ، وكعادتنا كل شهر نعرج على شيءٍ من كتب الأحاديث،

نستعرض من سننه ﷺ ما يضيء القلوب، ويهذب النفوس، ويُقرّب الأرواح إلى الله تعالى.
وكان من نصيب هذه الليلة المباركة أن يقع بأيدينا كتاب الصحيح المسند من الأحاديث القدسية للشيخ مصطفى العدوي.
وما يُميز ليلتنا هذه أن الحديث ليس عن كلام النبي ﷺ وحده، بل عمّا رواه عن رب العالمين — عز وجل — من الأحاديث القدسية،

حيث يتجلّى فيها قرب الله من عباده، وعدله ورحمته وعطاؤه الذي لا يُحدّ.


عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«يَقُولُ اللَّهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ».

إن هذا الحديث يفيض رحمةً وعدلًا؛ إذ يُظهر كرم الله العظيم في جزائه لعباده. فالحسنة الواحدة تُكتب بعشر أمثالها، وقد تصل إلى سبعمائة ضعفٍ لمن أخلص العمل وصدق النية.

وإن همّ العبد بالحسنة فلم يفعلها كُتبت له حسنة كاملة بنية الخير التي حملها قلبه.

أما إذا همّ بسيئة ثم تركها خوفًا من الله، كُتبت له حسنة، لأن الامتناع عن الشر طاعة في ذاته.

وفي قصة أصحاب الغار مثال عظيم على ذلك، حين ترك الرجل الفاحشة خوفًا من الله بعدما تمكّن منها، فقال: “اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنا”،

ففرّج الله عنهم ما هم فيه. كانت نيته السيئة انقلبت إلى حسنة خالصة، لأن قلبه خاف مقام ربه، فبدّل الله السيئة حسنات.

وهكذا يتجلّى عدل الله ورحمته: الحسنة تُضاعف، والسيئة لا تُكتب إلا واحدة، إلا أن تكون في مكة أو في الأشهر الحرم فتعظم قدرًا لا عددًا. قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25].

لقد قال العلماء في هذا الحديث: إن محاها الله لا يهلك على الله إلا هالك. فمن ضيّع عمره في المعاصي رغم أن الحسنة تُضاعف والسيئة لا تُضاعف، فقد اختار الهلاك بيده.
قال النووي رحمه الله عن أبي جعفر الطحاوي: “في هذه الأحاديث دليلٌ على أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب وعقدها”، فحتى نية القلب محسوبة، ومحلّ مراقبة.

ومن هنا قال بعضهم: ويلٌ لمن غلب الواحد العشرة؛ أي لمن غلبت سيئاته القليلة حسناته الكثيرة.


قال النبي ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً».

الرياء خطر خفيّ، يسرق ثواب العمل دون أن يشعر صاحبه. يعمل الإنسان العمل الصالح ليُقال عنه صالح، أو ليحظى بمدح الناس، فيضيع أجره.

فيقول الله له يوم القيامة: “اذهب إلى الذين كنت ترائي لهم فانظر هل تجد عندهم جزاءً.”
ولذا قال الله في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».

فالقبول لا يكون إلا بما كان خالصًا لله. فاعمل لوجهه، ولا تطلب بعملك جزاءً ولا شكورًا، فالله وحده يجزي الصادقين.


قال النبي ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».

هكذا هو الله الرحيم الكريم، يجازي القليل بالكثير، ويفتح الباب لمن أراد الرجوع. فمن أقبل عليه وجد الله أقرب.

قال سبحانه في حديث آخر: «يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي».

فالمغفرة ليست بكثرة العمل، بل بصدق الرجوع. انظر إلى من تاب وندم، أو بكى من خشية الله، كم بدّل الله له السيئات حسنات!

فتفحّص قلبك دائمًا، أهو خاشعٌ خائفٌ من الله؟ أم غافل لاهٍ بالدنيا؟


قال النبي ﷺ: «كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلَنِي إِلَّا مَخَافَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ».

ما أجمل هذا الموقف وما أعظمه في تصوير عظمة الخوف من الله! رجل لم يكن صالحًا،

بل خاف من عاقبة ذنوبه حتى طلب أن يُذرّى رماده في البحر؛ ومع ذلك غفر الله له لمّا علم صدق خوفه.
لم يكن الخوف ضعفًا، بل كان خشيةً نابعة من قلبٍ استيقظ متأخرًا، فكانت تلك الرجفة في قلبه سببًا في غفرانٍ أبدي.

ولهذا قال العلماء: ربّ معصية أورثت ذلًّا وانكسارًا خيرٌ من طاعةٍ أورثت عجبًا واستكبارًا.”

فاجعل في قلبك نصيبًا من هذا الخوف، لا يطفئه رجاء، ولا يبالغ حتى يقنّط، بل خوفٌ يردّك إلى الله، كما ردّ هذا الرجل.


في الحديث الشريف عن امرأةٍ حبست هرّةً حتى ماتت، قال النبي ﷺ:
«دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا، وَلَا تَرَكْتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ».

تأمل كيف أن رحمة الله واسعة، ولكن عذابه كذلك عظيم. فلو كانت هذه المرأة رحمت حيوانًا صغيرًا، لرحمها الله،

لكنها قست قلبها فكانت عاقبتها النار. فكيف بمن يقسو على إنسان؟!
إن أعمال القلوب — رحمةً كانت أو قسوة — هي التي تُحدّد مصير العبد، فالقلب الرقيق بابٌ للجنة، والقلب الغليظ حجاب عنها.


قال النبي ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، فَقَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي».

يا لعظمة هذا الرد الإلهي! الشيطان أقسم أن يُغوي، وربنا أقسم أن يغفر.

فكل يوم للشيطان تقرير جديد في إغواء بني آدم، ولكن رحمة الله دائمًا تسبقه، تغمر من قال: “أستغفر الله.”
فلا تدع يومك يمر دون أن تكتب اسمك في قوائم المستغفرين، أولئك الذين غلبوا الشيطان بالذكر والإنابة.

فالاستغفار ليس للذنوب الكبيرة فقط، بل هو حياةٌ للروح وطمأنينة للقلب.


قال ﷺ: «طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا».

كل تسبيحةٍ غرسة، وكل “لا حول ولا قوة إلا بالله” كنز، وكل “قل هو الله أحد” بيتٌ في الجنة.
أيعقل أن يمرّ يومك خاليًا من غرس نخلةٍ في الجنة؟ أو من بيتٍ تبنيه بآيةٍ قصيرة؟ ما أسهل الجنة على من ملأ وقته بالذكر!

فاذكر الله على لسانك وقلبك، فبذكره تطمئن الأرواح وتزهر الصحائف.


قال ﷺ: «قَالَ اللَّهُ: إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ».

سُئل النبي ﷺ: يا رسول الله، أهي كراهية الموت؟ قال: لا، ولكن المؤمن إذا بُشّر برحمة الله ورضوانه أحبّ لقاء الله، والكافر إذا بُشّر بعذابه كره لقاءه.
فاللقاء ليس لحظة موت، بل لحظة كشف، يرى فيها العبد ما أعدّ الله له، فإن كان صالحًا استبشر واشتاق، وإن كان مسيئًا فخاف ونفر.
يا له من مشهد مهيب: أن يُقبل المؤمن على ربه، والملائكة تبشّره وتقول له: “يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضيةً مرضية.”

في تلك اللحظة لا حزن ولا خوف، بل سكينة تُغمر بها الروح، وعرس سماويّ يُزف فيه العبد إلى الجنة.


قال ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَشْهَدُ لَهُ أَرْبَعَةُ أَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْأَدْنَيْنَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا خَيْرًا، إِلَّا قَالَ اللَّهُ: قَدْ قَبِلْتُ عِلْمَكُمْ، وَغَفَرْتُ لَهُ مَا لَا تَعْلَمُونَ».

تأمل هذا الفضل! أربعة فقط من جيرانه يشهدون له بالخير، فيغفر الله له ما لا يعلمون.
فليكن حُسن العِشرة خُلقك، وليكن أثرك في الناس طيبًا؛ فالشهادة الصادقة في المرء عند موته ليست مجاملة، بل هي شهادة الله في الأرض.

من أثنى عليه الناس بخيرٍ بحق، وجبت له الجنة كما قال النبي ﷺ:
«أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ».


قال ﷺ في الحديث القدسي: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ عِنْدِي لَبِمَنْزِلَةِ كُلِّ خَيْرٍ، يَحْمَدُنِي وَأَنَا أَنْزِعُ نَفْسَهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ».

ما أكرم الله هذا العبد الذي يحمده في الرخاء والبلاء! حتى عند موته، حين تُنتزع نفسه، يلهج بالحمد.
المؤمن يعلم أن كل ما يصيبه خير: إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر. الدنيا ليست دار راحة، بل دار عبور وزرع.

فازرع فيها ما تشاء أن تحصده في الجنة، فإن التعب هنا هو الراحة هناك.


قال ﷺ: «تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ، فَقَالَ اللَّهُ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ».

عمل بسيط، لكنه كان سببًا في مغفرةٍ عظيمة. إنه التيسير على الناس.
فكم من معروفٍ صغيرٍ رفع الله به إنسانًا! ابتسامة، إعانة، كلمة طيبة، صدقة خفية… كلها موازين لا نعلم ثقلها عند الله. فإياك أن تستصغر خيرًا، فربّ عملٍ يسير يكون هو باب الجنة لك.


قال النبي ﷺ: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ».

إنها الجنة، التي أعدّها الله لعباده الصالحين؛ نعيمٌ لا يُشبه ما نعرفه من نعيم الدنيا.
ففيها من الجمال ما لا تراه عين، ومن النعيم ما لا يسمع به سمع، ومن السعادة ما لم يخطر يومًا على قلب بشر.
هي دارٌ لا تعرف الزوال، ولا يمرّ فيها الوقت كما نعرفه، بل هي تجدد دائم للنعيم، يتبدّل على أهلها السرور في كل لحظة.
وفي الحديث الآخر قال ﷺ: «لَقَابُ قَوْسٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ».
تصوّر! موضع بسيط في الجنة خير من الدنيا كلها بما فيها من قصور وأموال وجمال.

إنها دعوة للتأمل: ما الذي يساوي أن يُحرم الإنسان من هذا النعيم الأبدي لأجل شهوةٍ عابرة أو غفلةٍ قصيرة؟
الجنة ليست خيالًا، إنها وعدٌ حق، والكرامة العظمى لمن صبر واتقى.
فاملأ أيامك بما يُقرّبك إليها، فهي دار من لا ينسى الله، وموطن من أخلص في عمله.


قال النبي ﷺ: «فَيُقَالُ لِلْعَبْدِ: أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي».

ما أشدّ هذا المشهد يوم القيامة! يوم يُعرض العبد على ربه، فيُذكّره بنعمه عليه، ثم يُسأله: “أفَظَنَنْتَ أنك ملاقيَّ؟”
تلك اللحظة تُفضح فيها النوايا، وتتكلم الجوارح، وتشهد على صاحبها بما كان يفعل في الخفاء.
قال ﷺ: «فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ».

في ذلك الموقف تتكلم اليد بما لم يرد أن يُقال، وتنطق القدم بما مشت إليه.
فاحذر أن تجعل الله أهون الناظرين إليك. الناس قد يغفلون عنك، أما الله فلا يغيب عنه شيء. فاستحِ منه كما تستحي من الناس بل أشد.


قال النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ».

يا لعظمة هذا الحديث وعمق رحمته! الله — جل جلاله — يسأل عن عبده حين يُبتلى، يسأل عن حزنه وعن كلماته عند المصيبة.
فإن صبر العبد وقال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، بُني له بيت في الجنة اسمه “بيت الحمد”.
تأمل! بيت خاص يُكتب باسمك في الجنة، ثمنه كلمة رضا في لحظة وجع.
البلاء سنة الله في عباده، لكنه باب الرفعة لمن صبر. قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ».


قال ﷺ: «رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ يُعَالِجُ نَفْسَهُ إِلَى الطَّهُورِ… فَيَقُولُ اللَّهُ لِلَّذِي وَرَاءَ الْحِجَابِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُعَالِجُ نَفْسَهُ لِيَسْأَلَنِي، مَا سَأَلَنِي عَبْدِي فَهُوَ لَهُ».

يا لجمال هذا الموقف! عبدٌ يقوم في الليل، يغالِب النوم والكسل، ينهض ليصلي ركعتين، فيتباهى الله به أمام الملائكة!
فيقول سبحانه: “ما سألني عبدي هذا فهو له”.
تخيّل أن يُقال عنك هذا القول كل ليلة!
إنها لحظة صفاءٍ بينك وبين الله، وقتٌ لا يراك فيه أحد، ولا يسمع أنينك إلا هو.
قم إلى ليلك، ناجِ ربك، فإن السحر ساعة قبول، يرفع الله فيها من يشاء إلى مقامات القرب.


قال ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى لِي هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ».

يا لها من نعمةٍ عظيمة! ابنك الصالح يرفع درجتك في الجنة بدعائه لك بعد موتك.
فربّ ولدٍ تربّيه على حب الله ودعاء الوالدين يكون لك سببًا في رفعةٍ لا تنتهي.
قال ﷺ: «إِذَا مَاتَ الإِنسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
فربِّ أولادك لتكون أعمالهم امتدادًا لك، يرفعونك وهم لا يشعرون، وتُكتب لك الحسنات ببركتهم حتى بعد رحيلك.


قال ﷺ: «أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا، لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ فِي الآخِرَةِ».

ما يصيب المؤمن من مرضٍ أو وجعٍ أو همّ إلا كان تكفيرًا لذنوبه ورفعةً في درجاته.
حتى الحُمّى التي تُتعب الجسد، هي في حقيقتها تطهيرٌ للروح.
قال ﷺ: «لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ».
وما أرحم الله بعباده! فحتى الوجع الذي يُنهك الجسد، هو هدية من الله ليُخفف عنك عذابًا أعظم.
قال ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ»؛ أي يبتليه ليطهّره، فيخرج من الدنيا نقياً من الخطايا.


ختامًا

هذا فيضٌ من غيضٍ من أنوار النبوة وأحاديث الرحمة الإلهية التي رواها الحبيب ﷺ عن ربه — عز وجل — تُعلّمنا أن الله أرحم بنا من أنفسنا،

وأنه يقبل التائبين، ويغفر للمستغفرين، ويُضاعف للحسنات أضعافًا كثيرة.
فمن عرف الله حق المعرفة أحبه، ومن أحبّه صدق في طاعته، ومن صدق نال سعادته في الدنيا والآخرة.
اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وارضَ عنّا واغفر لنا، وابعثنا في زمرة نبيّك ﷺ.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.