بتاريخ ٢٤/ ٤/ ١٤٤٣ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
إن حادثة الإسراء والمعراج من أعظم المعجزات التي أكرم الله بها نبيه محمدًا ﷺ، فهي رحلة جمعت بين الأرض والسماء،
وارتقت بروح النبي وقلبه إلى مقام لم يبلغه بشر قبله ولا بعده. إنها رحلة عزاء وتثبيت للنبي ﷺ بعد أعوامٍ ثقيلة من الأذى والأحزان،
ورحلة تكريم وتشريف للأمة التي اختارها الله لتكون خير أمة أخرجت للناس.
الأحداث قبل الإسراء والمعراج
مرت الدعوة في سنواتها التاسعة والعاشرة بظروف عصيبة للغاية. فقد اشتد أذى قريش على النبي ﷺ وأصحابه، حتى أذاقوهم أنواع الظلم والحصار في شعب بني هاشم ثلاث سنوات كاملة،
حُرموا فيها من الطعام والشراب والزواج والتجارة، حتى أكلوا أوراق الشجر من شدة الجوع. ثم جاءت سنة الحزن التي توفي فيها أبو طالب، العم الحامي للنبي ﷺ من بطش قريش،
وزوجته خديجة رضي الله عنها، السند النفسي والداعم الأول له. فكان فقدهما ضربة موجعة أثقلت قلب النبي ﷺ بالحزن، وزاد معاناة الدعوة في مكة.
ومع ذلك لم يضعف النبي ﷺ ولم يتراجع عن دعوته، بل ازداد صبرًا وثباتًا محتسبًا كل ما يلاقيه في سبيل الله.
رحلته إلى الطائف
في ظل هذا الضغط، قرر النبي ﷺ الخروج إلى الطائف ليدعو أهلها إلى الإسلام لعلّه يجد نصيرًا لدعوته هناك. لكنه فوجئ برفضهم القاسي،
فلم يكتفوا برد الدعوة بل آذوه أشد الإيذاء، وسلطوا عليه السفهاء والصبيان ليرجموه بالحجارة حتى سال دمه الشريف. وفي تلك اللحظات العصيبة،
لجأ النبي ﷺ إلى ظل شجرة ورفع يديه إلى السماء بدعاء صادق يقطر خضوعًا وانكسارًا، معترفًا بضعفه وافتقاره إلى عون ربه، ومعلنًا رضاه بحكم الله وقضائه.
فجاءه جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال يخيره أن يطبق عليهم الأخشبين، لكن قلب النبي الرحيم اختار العفو والرحمة، راجيًا أن يخرج الله من أصلابهم من يوحده ويعبده.
وهكذا ضرب النبي ﷺ أروع مثال في الصبر وسعة الصدر والرحمة حتى مع من آذوه.
بشائر قبل الرحلة العظيمة
وفي طريق عودته إلى مكة، ساق الله إليه بادرة رحمة؛ إذ التقى غلامًا نصرانيًا يُدعى “عدّاس”، فلما تحدث معه النبي ﷺ عن نبي الله يونس عليه السلام،
أدرك الغلام صدق النبي وأسلم على الفور، وكان ذلك بشارة بأن الله سينصر دينه ويدخل الإسلام قلوبًا لم تخطر ببال. ثم عاد النبي ﷺ إلى مكة بحماية أحد أشراف قريش،
لتبدأ مرحلة جديدة من الصبر والثبات رغم شدة الأذى الذي لا يزال يحيط به وبأصحابه.
حادثة الإسراء
وفي ليلة مباركة مليئة بالأنوار، وبينما النبي ﷺ نائم قرب الكعبة، جاءه جبريل عليه السلام وشق صدره الشريف، وغسله بطست من ذهب ممتلئ إيمانًا وحكمة،
إعدادًا له لهذه الرحلة العظيمة. ثم جاءه البراق، دابة بيضاء سريعة توصف بأنها تضع حافرها عند منتهى طرفها، فركبها النبي ﷺ وانطلق إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس.
وهناك، اجتمع بالأنبياء جميعًا، فصلّى بهم إمامًا، في إشارة جليّة إلى ختم النبوات وإمامته ﷺ لكل الرسل.
المعراج إلى السماوات
بعد الإسراء، عُرج بالنبي ﷺ إلى السماوات العلا، في رحلة روحانية عظيمة شهدت من الآيات ما يعجز اللسان عن وصفه. ففي السماء الأولى التقى بآدم عليه السلام،
وفي الثانية التقى بيحيى وعيسى عليهما السلام، وفي الثالثة بيوسف عليه السلام، وفي الرابعة بإدريس عليه السلام، وفي الخامسة بهارون،
وفي السادسة بموسى الذي بكى رحمة وغيرة لأن أمة محمد ﷺ سيدخل منها للجنة أكثر من أمته، وفي السابعة بلقاء إبراهيم عليه السلام مسندًا ظهره إلى البيت المعمور،
والذي وصفه النبي ﷺ بأنه أشبه الناس به. ثم بلغ النبي ﷺ سدرة المنتهى، حيث رأى من آيات ربه الكبرى ما لا يمكن لبشر أن يصفه، في مقام عظيم خصه الله به دون سائر خلقه.
فرض الصلاة
في هذا المقام الرفيع، كُلِّم النبي ﷺ وفرضت الصلاة أولًا خمسين صلاة في اليوم والليلة، ثم خُففت بعد مراجعات عدة إلى خمس صلوات فقط، لكن بأجر خمسين صلاة،
وهي أعظم هدية للأمة في تلك الليلة المباركة. وهكذا أصبحت الصلاة عمود الدين، والصلة الدائمة بين العبد وربه، ومفتاح الطمأنينة والسكون في قلب كل مؤمن.
العودة إلى مكة وردود الفعل
عاد النبي ﷺ في الليلة نفسها إلى مكة، وأخبر قريشًا بالرحلة العظيمة، فاستغربوا وكذبوه وسخروا منه، بل ارتد بعض ضعاف الإيمان.
لكن أبا بكر رضي الله عنه ثبت وقال كلمته الخالدة: “إن كان قال فقد صدق”، فاستحق لقب “الصديق”. وسألت قريش النبي ﷺ عن تفاصيل المسجد الأقصى ليحرجوه،
فوصفه لهم وصفًا دقيقًا رغم أنه لم يره من قبل، فبهت بعضهم وأقروا بدقة وصفه، لكن القلوب المعاندة أصرّت على الكفر.
الدروس والعبر من الحادثة
حادثة الإسراء والمعراج تحمل دروسًا وعبرًا لا تنتهي. فهي أولًا رسالة تثبيت لقلب النبي ﷺ بأن الله معه ولن يتركه، وأن النصر قادم لا محالة. وهي أيضًا تشريف عظيم للنبي ﷺ،
حيث وصفه الله في هذه الحادثة بلقب “عبده”، وهو أشرف مقام يمكن أن يبلغه بشر. كما تؤكد هذه الحادثة مكانة الصلاة العظيمة، إذ فرضت فوق سبع سماوات بلا واسطة،
لتبقى الصلة القوية بين العبد وربه. وفي صلاة النبي ﷺ بالأنبياء إمامًا دلالة على ختم النبوة وعمومية رسالته للعالمين.
أما بدء الرحلة من المسجد الأقصى فهو تأكيد على مكانته وقدسيته في عقيدة المسلمين، وأن ارتباطهم به جزء من إيمانهم.
الخاتمة
إن حادثة الإسراء والمعراج ليست مجرد رحلة تكريم للنبي ﷺ، بل هي مدرسة إيمانية للأمة كلها؛ تعلمنا الصبر في أوقات الابتلاء، واليقين بأن مع العسر يسرا،
والاعتزاز بالعبودية لله تعالى، والتمسك بالصلاة التي كانت أعظم هدية في تلك الليلة.
وهي تذكير لنا بأن شرف هذه الأمة ورفعتها لا يكون إلا بأداء رسالتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبثباتها على الحق مهما عظمت التحديات.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.



