بتاريخ ٢٢/ ٧/ ١٤٤١ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدهِ الله فلا مُضل ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً رسول الله،
أما بعد..
نعيش الآن في فترة ليست سهلة، فترة استثنائية غير اعتيادية، تختلف فيها ردود أفعال الناس وتتباين فيها مشاعرهم وتوجهاتهم؛
فمنهم من ينظر إلى ما يجري بعين المادي العقلاني الذي يكتفي بتتبع الأرقام والإحصاءات والتقارير الرسمية بلا أي بعد إيماني أو توكّل،
ومنهم من يعيش بلا مبالاة وكأن الأمر لا يعنيه فيستمر في حياته وكأن شيئًا لم يحدث،
ومنهم من يسيطر عليه الخوف والهلع فيتابع الأخبار لحظة بلحظة ويعيش قلقًا مترقبًا بلا طمأنينة.
وأخيرًا هناك المؤمن المتزن الحكيم، الذي يجمع بين فعل الأسباب والتوكل على الله بيقين راسخ أن {لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}.
الابتلاء سنة من سنن الله
إن الابتلاء الذي نعيشه اليوم ليس حدثًا طارئًا، بل هو جزء من سنن الله الجارية في خلقه، فقد قال الله تعالى:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.
فالابتلاء ليس علامة غضب دائمًا، بل هو اختبار وتمحيص للقلوب؛ كما يُمحّص الذهب في النار ليخرج خالصًا، كذلك يُنقّي الابتلاء النفوس ويعيدها إلى طريقها الصحيح.
وهو فرصة عظيمة للتفكر ومراجعة النفس والعودة الصادقة إلى الله، بعيدًا عن الهلع والتفريط.
فوائد الابتلاء
إظهار حقيقة العبودية
الابتلاء يكشف الصادق من المدعي، ويميز المؤمن الذي يعبد الله على بصيرة ممن يعبده على حرف. ففي السراء، يشكر المؤمن ربه على نعمه،
وفي الضراء يصبر محتسبًا، فينال رضا الله وأجر الصابرين. وكما قال النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير…».
إن هذا الامتحان يعمّق ارتباط العبد بربه، ويجعله يدرك أن السعادة الحقيقية ليست في متاع الدنيا الزائل، بل في رضا الله والقرب منه.
تكفير الذنوب ورفع الدرجات
الحزن والهم والمرض كلها أبواب خير للمؤمن، يكفر الله بها سيئاته ويرفع بها مقامه، حتى يبلغ منازل عالية في الجنة لم يكن ليبلغها بعمله وحده.
قال ﷺ: «ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة». فالبلاء نعمة خفية إذا استقبلها العبد برضا وصبر، لأنها تطهره وترفعه درجات لا يصل إليها بجهده فقط.
تربية القلوب على التواضع
حين يبتلي الله عبده، يذكّره بحقيقته وضعفه، فلا يطغى أو يغتر بما عنده من قوة أو علم أو مال. الأزمات تعلّم الإنسان أن القوة لله جميعًا،
وأنه مهما ظنّ أنه قادر على السيطرة، فإنه عاجز أمام قدر الله. هذه الحقيقة تعيد ترتيب علاقة العبد بربه، فيعود خاشعًا منيبًا، مستسلمًا لأمر الله وفضله.
كشف معادن الناس
الأزمات تظهر حقائق النفوس. ففي وقت البلاء يظهر الكريم الذي يؤثر غيره على نفسه، ويظهر الصادق الذي يعين المحتاجين،
كما يظهر من لا يهتم إلا بنفسه ومصلحته. قال الفضيل بن عياض: “الناس ما داموا في العافية فهم مستورون، فإذا نزل بهم البلاء صاروا إلى حقائقهم”.
ومن هنا يتعلم المؤمن أن ينظر للأحداث بعين البصيرة، فيعرف أن معيار التفاضل هو الصبر والإيثار والصدق مع الله.
التذكير بالذنوب وزيف الدنيا
كثيرًا ما ينشغل الإنسان بالدنيا حتى يظن أنها دار بقاء، فيأتي البلاء ليذكّره بأنها دار عبور وزوال. هذه المحن توقظ الغافلين وتدفعهم للتوبة والرجوع إلى الله.
حين يشعر العبد بضعفه وعجزه يدرك أن اللجوء إلى الله هو الملاذ الوحيد، وأن التعلق بالدنيا دون الآخرة خسران مبين.
تذكيرنا بالنعم
من أعظم ما يفعله الابتلاء أنه يجعل الإنسان يقدّر النعم التي كان يراها أمرًا عاديًا. نعمة الصحة، نعمة الأمن، نعمة الاجتماع مع الأهل والأصحاب،
كلها نعم قد لا ندرك قيمتها إلا عند فقدها. هذه الصحوة تدفع المؤمن للشكر الدائم، فيزداد قربًا من الله ويستشعر فضله في كل صغيرة وكبيرة.
الشوق إلى الجنة
حين يرى المؤمن تقلّب الدنيا وتغيّر أحوالها، يشتاق قلبه إلى الدار الباقية، حيث لا مرض ولا خوف ولا حزن، بل نعيم مقيم لا يزول.
هذا الشوق يدفعه للعمل الصالح وترك المعاصي طمعًا فيما عند الله، ويجعله يعيش مطمئنًا أن ما ينتظره عند الله أعظم مما يعيشه في هذه الدنيا.
واجبنا وقت البلاء
١. ترسيخ اليقين
أن نؤمن أن كل ما يحدث هو بقضاء الله وقدره، وأنه ما أصابنا لم يكن ليخطئنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. هذه العقيدة تورث القلب طمأنينة ورضا،
فلا يعيش المؤمن في اضطراب أو جزع، بل في سكينة ويقين أن الله لا يقدّر شيئًا إلا وفيه الخير.
٢. ترك المعاصي والإكثار من التوبة
البلايا رسائل من الله تدعونا للرجوع إليه، ولترك الذنوب والمعاصي. قال تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ}.
فالعبد العاقل يغتنم هذه الفرصة ليجدد عهده مع الله، ويستغفر من تقصيره، ويبدأ صفحة جديدة في طاعة ربه.
٣. الأخذ بالأسباب الشرعية والمادية
الإيمان لا يتعارض مع فعل الأسباب، بل يكمّله. لذلك يجب المحافظة على الأذكار والأدعية، والصدقة،
مع الالتزام بالنصائح الصحية والوقائية لحماية النفس والآخرين. الجمع بين هذه الأسباب هو تحقيق حقيقي للتوكل على الله.
٤. الصبر والاحتساب
الصبر في البلاء عبادة عظيمة، ومن يصبر محتسبًا يؤجر أجرًا عظيمًا، بل يُعطى أجر الشهيد كما ورد في الحديث الشريف.
فالمؤمن يعلم أن ما أصابه كان مقدرًا له، فيرضى ويسلم، ويستشعر أن الفرج قريب وأن مع العسر يسرا.
٥. مراجعة الأولويات
الأزمات فرصة لإعادة ترتيب حياتنا، لنراجع أولوياتنا ونحدد ما يستحق أن نهتم به. هي فرصة لتقوية علاقتنا بالله، وتحسين علاقتنا بأهلنا،
وإعمار بيوتنا بالذكر والطاعة، وتحويل أوقات المحنة إلى منح عظيمة تقربنا من الله وتزيدنا وعيًا وإيمانًا.
الخاتمة
أسأل الله أن يقينا وإياكم شر هذا البلاء وأن يرفعه عن المسلمين وعن أمّة محمد ﷺ، ونسأله خير ما عنده عاجله وآجله ما علمنا منه وما لا نعلم،
ونعوذ به من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لا نعلم، وحفظكم الله أينما كنتم.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.



