بتاريخ ١٠/ ٩/ ١٤٤٦ هـ


لسماع المحاضرة صوتًا

( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )

بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان لقائنا اليوم هو عن صفة من صفات الله عز وجل ، وهي أنه من أهل الجود والكرم ،

ونتحدث عن هذه الصفة بالذات في رمضان لأن هذا الشهر هو شهر الرجاء ، الذي تؤمل فيه على الله بالآمال،

وهو الشهر الذي تدخل إلى الله عز وجل وأنت مفتقر من كل شيء ، تأتي أنت مفلساً مفتقراً وكأن الخزائن والكنوز كلها مفتوحة أمامك،

وأنت تقول يا رب أنت الكريم فأكرمني، وأنت الجواد فجد علي ، فنحن نحتاج إلى أن نستذكر صفات الله عز وجل للدعاء بها ،

قال النبي عليه الصلاة والسلام   🙁 إنَّ اللهَ تعالى جَوَادٌ يُحِبُّ الجُودَ، ويُحِبُّ مَعاليَ الأخلاقِ، ويَكرَهُ سَفْسافَها).(صحيح الجامع) ،إذاًمن صفات الله عز وجل أنه يحب معالي الأخلاق ، ومعالي الأخلاق بمعنى كبار الشيمة والمروءة، 

فالله عز وجل يحب هذه الشيم من عباده ،  ويكره سفاسفها ، وحينما تتخاصم الناس على أمور تافهة، فالله عز وجل يكره هذه السفاسف،

فالإنسان حينما يريد تحديد إطار لشخصيته ،يتلمس من صفات الله عز وجل خصوصاً صفات الجمال ، وقد ذكرنا سابقاً أن لله عز وجل صفات الجلال ، و صفات الجمال، و صفات الجمال الله عز وجل يحب من عباده أن يتصفوا بها،

فالله كريم يحب الكرماء، الله رحيم يحب الرحمة ، الله عز وجل جميل يحب الجمال من عباده. وخذي على ذلك وقيسيه على حياتك.


مالفرق بين صفة الله عزوجل الكريم و الجواد؟

قال الشيخ السعدي حينما شرح هذا الاسم ،

المعنى الأول : بأن الجواد هو المطلق بجوده الذي عم على جميع الكائنات وملأها من فضله وكرمه ونعمه المتنوعة،

وخص بجوده السائلين بلسان المقال أو بلسان الحال من بر أو فاجر ومسلم وكافر ،أي أعطى كل الكائنات الحية ،

التي تشمل الإنس والجن والحيوانات كالبقرة التي تتعسر ولادتها و والسنجاب في فوق شجرة التي تعسرت ولادتها فنظرت بأعينها إلى الله عز وجل،

فالله جواد على كل الكائنات الحية التي على وجه الأرض.

المعنى الثاني :من معاني كلمة اسم الله عز وجل الجواد أن الجواد الذي يعطي بلا سؤال فلا ينتظر الله عز وجل منك أنك أنت  تسأله وتقول يا رب ،

فالله يجود عليك من نعمه هذا الجود كما نقول عن السماء (جادت السماء بالمطر) فمن معاني العرب هذه الكلمة أنه جادت السماء بالمطر بمعنى نزل المطر الغزير على الناس ،

ولذلك الكريم قد يعطيك عن سؤال وقد يعطيك من غير سؤال لكن الجواد هو الذي يعطيك دون سؤال .

قال الشيخ السعدي رحمة الله عليه وخص بجوده السائلين بلسان المقال أو بلسان الحال، لسان المقال أنك أنت  تقول يا رب ، يارب بلغني هذا الأمر ، يا رب اهديني و ارزقني

هذا بلسان المقال ، و معنى لسان الحال ؟ أي حال العبد و سعيه ،كما ورد في الحديث ( عَبدي يَلْتَمِسُ أنْ يُرْضِيَنِي ، ألا وإِنَّ رَحْمَتِي عليهِ )،

هذا لم يسأل ولم يطلب لكن من يوم ما دخل رمضان وهو يتلمس مرضات الله عزوجل  بالنية و العبادة.


اجعل شعارك في شهر رمضان مغلق للتحسينات

 أنت  مغلق للتحسينات ، هذا الشهر لا تفرط به  بأي شيء ، فأنت  الآن هذا الإنسان الذي يتلمس مرضات الله ، في لحظة الفطور وفي لحظة الصيام ،

والتراويح يسبق للمسجد حتى يقرأ له جزء ، لما يرجع من المسجد محضر له برنامج  يتلمس به رضا الله ، فهذا التلمس لا يضيع عند الله عز وجل ،

همك كم بفطر من الصائمين ، برك لوالدتك و والدك، مهمومة في عمل الخير هذا الهم اللي معك لا يضيع عند الله عز وجل فالله من فوق سبع سماوات ينظر إليك وأنت  قاعدة تتلمسين مرضات الله ،

تحاول فقط ولا تعرف  خطواتك صحيحة أم لا لكن عندك هذا النية فالله عز وجل ينظر لتلك المحاولات ، فلا يزالُ كذلكَ،

فعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إِنَّ العبدَ لَيَلْتَمِسُ مَرضاةَ اللهِ، فلا يزالُ كذلكَ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لِجبريلَ : (إِنَّ فُلانًا عَبدي يَلْتَمِسُ أنْ يُرْضِيَنِي، ألا وإِنَّ رَحْمَتِي عليهِ، فيقولُ جبريلُ : رَحْمَةُ اللهِ على فُلانٍ ويقولُها حملَةُ العرشِ، ويقولُها مَنْ حَوْلَهُمْ، حتى يقولَها أهلُ السمواتِ السَّبْعِ، ثُمَّ يهبِطُ لهُ إلى الأرضِ ) .

اسأل الله الهداية بقلب مرتجف:ندعي الله باهدنا الصراط المستقيم لكن هل سألتها بقلب مرتجف؟ ،فلو الله لم يهديك في الدنيا لن تهدى على الصراط يوم القيامة قال تعالى: { وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا } [سورةمريم – 71 ] \

واردها : يعني هذا الصراط  المضروب على النار ، الذي هو أحد من السيف وأدق من الشعرة ، سنمشي عليه ، وسرعة المشي على الصراط على نفس مشيتك في الدنيا ،

فمن كان سريعا في مرضاة الله عزوجل كان سريعا على المشي على صراط الآخرة ، 

كما ورد في نص حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم : [ ومنهم من يمر كالطرف ] ، فمن الناس من أول ما بدأت خطواتهم على الصراط إذا هم  في النهاية بطرف العين،

ومنهم كما ذكر  في الروايات أنه جلس اثني عشر سنة وقيل ثلاثين سنة وهو يمشي على الصراط ، ولو قلنا أنه جلس فيها سنة فهي كثير إنك جالسة فوق النار،

لكن كما أنك تسأل الله الهداية فاسأله بهذا القلب الذي يعلم أن سؤالك وهدايتك في الدنيا ليس قراراً شخصياً؟ ليس لعدم رغبتك بالهداية،

لو لم يأذن الله بهدايته فيخشى حينها ما سيكون مصيره في الآخرة،  في القبر حينما ندفن في أول ليلة  حينما يأتي لك العمل الصالح بالحديث المعروف،

فيسأل الميت من أنت ؟ كما نص في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : 

(فمن أنت لَوجهُك الوجهُ يُبشِّر بالخيرِ؟ قال: يقول: أنا عملُك الصالح، فواللهِ ما علمتُ إن كنتَ لسريعًا في طاعةِ اللهِ بطيئًا عن معصية اللهِ فجزاك اللهُ خيرًا. قال: فيقول: وأنت فجزاك اللهُ خيرًا). إسناده صحيح ،

و العكس لصاحب العمل السيء كما نص في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (فيقول: وأنت بشَّرك اللهُ بالشرِّ فمن أنت؟ لَوجهُك الوجهُ يبشِّر بالشرِّ. قال: يقول: أنا عملُك السيئُ والله ما علمتك إن كنت لسريعًا في معصية اللهِ بطيئًا عن طاعة اللهِ فجزاك اللهُ شرًّا. قال فيقول: وأنت فجزاك اللهُ شرًّا). إسناده صحيح

فهناك من يجر نفسه جراً للطاعة  ، و آخرون أنفسهم تواتيهم على هذه الطاعة وأرجلها بطيئة في المعصية، وقد يخطئ الإنسان ،

لكنه يجد نفسه غير مرتاح ، فيكون بطيئاً في معصية الله عز وجل، سريعاً في الإنابة و طاعة الله.

يُقال بلسان العرب لا يعرف ثلاثة إلا في ثلاثة:

 فلا يعرف الشجاع إلا في الحرب ولا الحليم إلا عند الغضب ولا الجواد إلا عند العسرة ، كلنا شجعان لكن إذا قامت الحرب ووقع اللقاء من الذي سيثبت فهنا تُعرف الشجاعة،

والحليم كلنا حليمين مدام الأمور ميسرة متى ما استفزك فإنك تعرف نفسك ، فلا يعرف الحليم إلا في لحظة الغضب ،وكيف يعرف الإنسان الجواد ؟

يعرف الجواد في حالة العسرة ولنا في إخواننا في غزة أسوة فقد يكونوا من أكرم الناس في لحظات الرخاء حينما كانت بيوتهم تأويهم والبيوت ملئى من النعم والطعام ،

وقتها الكل كريم ويعطي جاره، لكن الآن حين ضاق الحال واشتدت المجاعة وقل الطعام فهل تعطي؟ الذي يجود في لحظة العسرة وفي ضيق والشدة  هذا اللي يُقال عنه الجواد ،

إذًا هو مع الكرم كلهم بنفس المعنى لكن الكريم يعطي في السعة والجواد يعطي في العسرة .
كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ الْمُرسَلَةِ

وصف الصحابة  الرسول عليه الصلاة و السلام بالريح  يقولون: كان أجود من الريح المرسلة-الريح المرسلة يعني التي تأتي بالمطر و الخير الكثير ،

وكيف بك تعرف شخصاً من دائرة معارفك أو دائرة أقاربك ، تقول عنه هو كـالغيث ، إن هذا الإنسان إذا جاء جاء كأنه ريح مرسلة!

ورسول الله صلى الله عليه وسلم- لم يكن أغنى الأغنياء لكن لاحظ كيف اتصف بهذه الصفة حتى قالوا عنه أجود من الريح المرسلة ،

وكان أجود ما يكون في رمضان. وأجود ما يكون حينما يراجعه جبريل القرآن. 

حينما نقول جاد-فقالوا: جاد بكل موجود ،كل ما في بيت النبي-عليه الصلاة-جاد به ،وكل ما في حياته جاد به ، فجاد بوقته وبعلمه و بماله و أيضاً جاد بصحته ،

وفي هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابعيُّ عَبدُ اللهِ بنُ شَقيقٍ أنَّه سَألَ عائشةَ رَضِي اللهُ عنها: هلْ كانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يُصَلِّي وَهو قَاعِدٌ؟ قالَتْ: نَعَمْ، بَعْدَ ما حَطَمَهُ النَّاسُ. صحيح مسلم ،

معنى حطمه الناس؟ بمعنى كان يقف للناس فالناس تسأل ويجاوب و يدعو، فلما حطمه الناس كان النبي-عليه الصلاة والسلام-: بالليل يصلي قاعداً .

جود أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي تربت في بيت النبوة:

يقول محمد بن المنكدر-رحمه الله : عن أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- والتي تربت في بيت النبوة ورباها رسول الله-صلى الله عليه وسلم- على عينه وتعلمت الجود وأُشربته ،ففي حقبة ما بعد فتح الشام ،

توسع على المسلمين في ذلك الوقت، فأرسل لها  معاوية رضي الله عنها ما يقرب من مائة و ثمانون ألف درهم ذهب قسمها من آل البيت، فلما نظرت للأموال قالت أتوني بطبق،

ثم أخذت تأخذ بيدها الدراهم دون عد  تأخذ وترسل  لبيوت الفقراء ، حتى لم يبقى منها شيء،فلم تلبث إلا قليل فأذن المغرب و كانت صائمة فقالت للجارية: أَتِي بفطورنا فجاءتها بخبز وزيت، قالت هذا؟ فقالت لها الجارية: ما استطعت أنك أنتِ تخبين لنا شيء، بمعنى وزعتِ كل الدراهم ولم تبقي شيء لنأكل منه ؟

فقالت عائشة-رضي الله عنها- بوجه بريء جداً. قالت: لو ذكرتني لفعلت ، فهي أصلاً لم يأتي في بالها  لأن السخاء والجود في فطرتها.

قال بشر بن الحارث-رضي الله عنه-: ليس شيء من أعمال البر أحب إلى الله من السخاء. ولا أبغض إليه من الضيق وسوء الأخلاق.

فما في شيء يحبه الله-عز وجل- من عباده مثل السخاء والجود ولا أبغض إليه من الضيق وسوء الأخلاق.

قال الجنيد: (أربع ترفع العبد إلى أعلى الدرجات وإن قل علمه: الحلم، والتواضع، والسخاء، وحسن الأخلاق):

 فممكن يكون إنسان ما عنده علم ولا عنده مواهب ولا قدرات لكنه يتميز بهذه الأربعة مواهب، عنده حلم، فما يغضب وعنده التواضع للناس،

وعنده هذا السخاء والكرم وحسن الأخلاق، وهذه الأخلاق هي العظيمة التي يحبها الله عز وجل من عباده، ولذلك كيف نتعبد الله عز وجل باسم الجواد؟

أولاً: إن الله عز وجل يحب منك أن تطمع فيه، لماذا نتكلم اليوم عن الجود؟ إذا عرفنا إن الله هو الجواد فأطمع به،

بمعنى إذا كان الله جواد وكريم، إذا أنا في شهر رمضان سأطمع من الله عز وجل في كل شيء ،  ذاك القرار الذي أود اتخاذه و التوبة منه قادر الجواد أن يتوب علي منه  ،

أن يغيرني إلى الأحسن ،و أن يصنعني على عينه، وأن يهديني لأحب الأعمال وأرضاها إليه، عليك أن تدعو الجواد يا رب خذ بناصيتي إلى البر والتقوى ومن العمل ما ترضى أجهل الطريق لكني أحاول،

  ومن العمل ما ترضى فيا رب خذ بناصيتي إليك. يا رب حبب إلينا الإيمان وزينه في قلبي وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان. ولا تظن أن الأمر صعب ،

الله عز وجل ترى بين يوم وليلة يقلبك يقلب زوجك، يقلب ولدك. يقلب بنتك. كل إنسان كنت تتخيلين أن الهداية عنه بعيد ، كان الناس تقول عن عمر الفاروق  قبل إسلامه ،

لو أسلم حمار الخطاب لأسلم الخطاب كانوا يظنون أن ما يمكن أن يسلم عمر فهو الذي كان معه الجلاد و السوط ليعذب المسلمين ،فيشاء الله عزوجل ويفتح على قلبه ويقولون ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر،

إذاً الله يستطيع أنه يقلبك ،وقل يا ربي أنك أنت الحيي الكريم الذي لا ترد عبادك وأنا طمعان بك ليس لأني أنا الأفضل لكن يا رب لأنه رمضان ولأن هذا الشهر هو شهر الجود وشهر الكرم .

يغضب الله لعدم الدعاء و الاستغناء :

 قال النبي عليه الصلاة والسلام: [مَن لم يسألِ اللهَ يغضبْ علَيهِ].(صحيح  الترمذي) ،فمن لم يسأل الله يغضب عليه ،

هل أنت مستغني تماماً عن الله ؟ما عندك شيء تحتاج الله عز وجل فيه، ما في شيء في خاطرك تريده ، لا تحتاجه بشيء، ولذلك ليس شيء على الله أكرم من الدعاء.

خير الناس للمساكين  :

 يقول أبو هريرة: كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب ،وقد كان أبو هريرة من أهل الصفة ومن الناس الفقراء التي كانت تنتظر أي أحد يعطيهم

فيقول: كان أخير الناس بنا جعفر عم النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يأتينا فينقلب بنا و يأخذنا لبيته، ولأن الكرم والسخاء والجود متوارث فكان أكرم الناس وأجود الناس بعد جعفر عبد الله ابنه،

فجاء في صفاته أنه كان كريماً جواداً خليقاً عفيفاً سخياً، حتى سموه بحر الجود، وليس بحر الكرم بل بحر الجود، فهو يعطي ليس من سعة وإنما يعطي من كرم.

ماذا لي عند الله عز وجل من  فعل الجود؟ 

الأمر الأول قالوا: إذا أردت أن تعرف منتهى الجود فاعلم أن الجود هو مفتاح الرزق، كل الرزق الذي أنت ممكن تتخيليه، الإيمان رزق، حفظ القرآن رزق،

صلاتك الخاشعة رزق، سماحة الخواطر هذا رزق، الهدوء والحلم هذا رزق أخلاقك الحسنة هذا رزق. كل هذه أنواع من الأرزاق ،

غير الأرزاق البدنية والمالية المعروفة وماهو  الدليل على ذلك؟

قال النبي عليه الصلاة والسلام : [بَيْنا رَجُلٌ بفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذلكَ السَّحابُ، فأفْرَغَ ماءَهُ في حَرَّةٍ، فإذا شَرْجَةٌ مِن تِلكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذلكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الماءَ، فإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بمِسْحاتِهِ،

فقالَ له: يا عَبْدَ اللهِ، ما اسْمُكَ؟ قالَ: فُلانٌ، لِلاِسْمِ الذي سَمِعَ في السَّحابَةِ، فقالَ له: يا عَبْدَ اللهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟

فقالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحابِ -الَّذي هذا ماؤُهُ- يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، لاِسْمِكَ، فَما تَصْنَعُ فيها؟ قالَ: أمَّا إذْ قُلْتَ هذا، فإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنْها، فأتَصَدَّقُ بثُلُثِهِ،

وآكُلُ أنا وعِيالِي ثُلُثًا، وأَرُدُّ فيها ثُلُثَهُ. [وفي رواية]: وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ في المَساكِينِ، والسَّائِلِينَ، وابْنِ السَّبِيلِ.(صحيح مسلم)،

عندما تسمع مثل هذا الشيء مو شيء عظيم صح؟ يعني هو وعياله يأكلون ثلث ويتصدق بالثلث ويرد فيها رأس المال بثلث ،لكنه أمرعظيم حيث جعلها صدقة ثابتة، لذلك منتهى الجود أنك تعلم أن مفتاح الرزق فيه.

الأمر الثاني : أن هذا الجود يؤلف القلوب ما لا يؤلفه شيء

للنظر إلى قصة صفوان بن أمية، الذي كان من ضمن عتاة قريش ، فمن بعد فتح مكة، أسلم ولكنه قليلاً مكره، و ذلك لأن الكل أسلم، فهو لا يزال في نفسه شيء من الإسلام ،

دخل مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة  حنين، وكانت هذا الغزوة بعد فتح مكة مباشرة، فلما أتى وقت الغنائم ، يقول صفوان عن نفسه،

قال أعطاني رسول الله ما أعطاني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعال يا صفوان  فأعطاه مئة من الإبل ، استغرب صفوان ،لماذا ؟ مالذي بيني وبينك لتعطيني كل هذا العطاء ؟

و هو يرى إن الصحابة المهاجرين والأنصار لم يأخذوا شيء من الغنائم ، ثم يقول صفوان: ثم أعطاني مئة من الإبل ثم مئة من الإبل ، يقول صفوان: وإنه لأبغض الناس إلي، بمعنى ما كنت أحب حتى إني أنظر إلى وجه رسول الله، فما برح يعطيني ويعطيني ويعطيني، حتى إنه لأحب الناس إلي ، ومابقي في شك أنه رسول الله.

من جود الله عز وجل على عباده أن يثيبهم على أعمالهم اليسيرة بالأجور العظيمة ومنها:

-ومن هذه الأجور العظيمة إنه جعل لمن قرأ حرفاً من القرآن في كتابه حسنة، والسحسنة في عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

-ومن واظب على صلاة البردين الفجر والعصر بشر بالجنة .

– من قال لاحول ولا قوة إلا بالله، كانت له كنز من كنوز الجنة ، كما روي عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم  أنه قال

🙁يا عَبْدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ. قُلتُ: لَبَّيْكَ يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: ألَا أدُلُّكَ علَى كَلِمَةٍ مِن كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ قُلتُ: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، فَدَاكَ أبِي وأُمِّي، قالَ: لا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ).

صحيح البخاري

– كفالة اليتيم   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أنا وَكافلُ اليتيمِ في الجنَّةِ كَهاتين ، وأشارَ بأصبُعَيْهِ يعني : السَّبَّابةَ والوسطى)(صحيح الترمذي)

والنبي عليه الصلاة والسلام أين في الجنة؟في الفردوس الأعلى.

-من صام يوماً في سبيل الله ،باعد الله بين وجهه والنار سبعين خريفاً .

-يقول النبي عليه الصلاة والسلام 🙁أَلَا أُخْبِرُكم بمَن يَحْرُمُ على النَّارِ، وبمَن تَحْرُمُ عليه النَّارُ؟ على كلِّ قريبٍ هيِّنٍ سهْلٍ). (المصدر سنن الترمذي)

فلاحظوا من تحرم عليه النار ؟على كل هين لين، قريب سهل ،فلا تكون أنت ضعيف ولا صعب لأن الله عز وجل يحب المؤمن القوي، مع اللين.

-قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( مَنْ تصدَّقَ بعدْلِ تمرَةٍ مِنْ كسبٍ طيِّبٍ ، ولَا يقبَلُ اللهُ إلَّا الطيِّبَ ، فإِنَّ اللهَ يتقبَّلُها بيمينِهِ ، ثُمَّ يُرَبيها لصاحبِها ، كما يُرَبِّى أحدُكم فَلُوَّهُ حتى تكونَ مثلَ الجبَلِ ) أخرجه البخاري

لا تَقنَطوا مِن رَحمَةِ اللَّهِ :

نذكر قصة امرأه رجعت من مكة للتو ، وكلنا نرى الزحام الشديد في الشاشات  ، إلا أنها مع ذلك فهي مسكت المُلتزم، ثلاث مرات! أسأل الله أن يُبارك لها ،

كانت تقول: كنا نطوف والطواف زحمة و مع ذلك قالت سأحاول وهي تكرر في نفسها :الواسع سيوسع علينا ، ظنت بالله الظن الحسن و أنه هو الجواد الواسع ،

سيوسع و سيجود وهي في بيته فتقول: فكأن الأرض تُفسح لنا فنصل الملتزم، فإذا ظننت بالله عز وجل في هذه اللحظات أنه سيجود عليك سيجود الله بذلك،

ولذلك من جوده سبحانه أنه يغفر ذنب المذنبين، ويعفو عن سيئاتهم، قال الله عز وجل: ﴿قُل يا عِبادِيَ الَّذينَ أَسرَفوا عَلى أَنفُسِهِم لا تَقنَطوا مِن رَحمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]

فلو أحسست إنك متخبطة منذ أن دخل رمضان وأنك لا تفعلين ما خططتي له سواء لانشغال أو لربكة الأمور من حولك أو لأي سبب، لا زال في هذه العشرة أيام بقية قبل العشرة الأواخر ،

أن تطمعين بجود الله عز وجل وأن تسألين الله أنه يصلحك،كالدعاء بيا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شاني كله ولا تكلني نفسي طرفة عين.

من جود الله علينا:

 قال النبي عليها الصلاة والسلام وهذه البشارة الأخيرة وهذا من جود الله الذي لا يمكن لأحد أن يجود بمثل هذا الجود، قال:

[مَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، كُتِبَتْ له حَسَنَةً، ومَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَعَمِلَها، كُتِبَتْ له عَشْرًا إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، ومَن هَمَّ بسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، لَمْ تُكْتَبْ، وإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ].(صحيح مسلم) ، 

وأنت في مكانك أيها العبد إن حركت النية وقلت نويت القيام بالأمر أو ترك ذاك الأمر فإن نيتك وعزمك تكتب لك حسنة كاملة،

فإن قمت بها وصدقت بالنية كتبت الحسنة بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهذه لا يمكن إلا أن تكون من هذا الجواد ،

ولذلك الله عز وجل هو الجود وهو أجود الأجودين والذي نسأله في هذه الليلة أن يجود علينا بفضله ورحمته وكرمه وأن لا يجعل فينا ولا معنا شقيًا ولا ضالًا ولا محرومًا

وأن يحبب إلينا الإيمان وأن يزينه في قلوبنا ويُكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان هذا والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ملخص الدرس:

أخيراً لا تقنطوا من رحمة الله قال الله عز وجل: ﴿قُل يا عِبادِيَ الَّذينَ أَسرَفوا عَلى أَنفُسِهِم لا تَقنَطوا مِن رَحمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]

فلو أحسست إنك متخبطة من يوم ما دخل رمضان ،لازال الأمل موجود ، مهم إنك تطمع بجود الله عز وجل وتدعو الله بيا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

مالفرق بين صفة الله عزوجل الكريم و الجواد؟

الكريم قد يعطيك عن سؤال وقد يعطيك من غير سؤال ،لكن الجواد هو الذي يعطيك دون سؤال .

فعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إِنَّ العبدَ لَيَلْتَمِسُ مَرضاةَ اللهِ، فلا يزالُ كذلكَ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لِجبريلَ :

(إِنَّ فُلانًا عَبدي يَلْتَمِسُ أنْ يُرْضِيَنِي، ألا وإِنَّ رَحْمَتِي عليهِ، فيقولُ جبريلُ : رَحْمَةُ اللهِ على فُلانٍ ويقولُها حملَةُ العرشِ، ويقولُها مَنْ حَوْلَهُمْ، حتى يقولَها أهلُ السمواتِ السَّبْعِ، ثُمَّ يهبِطُ لهُ إلى الأرضِ )

فاجعل شعارك شهر رمضان مغلق للتحسينات.

يُقال بلسان العرب لا يعرف ثلاثة إلا في ثلاثة: فلا يعرف الشجاع إلا في الحرب ولا الحليم إلا عند الغضب ولا الجواد إلا عند العسرة.

كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ الْمُرسَلَةِ ، وكان أجود ما يكون في رمضان. وأجود ما يكون حينما يراجعه جبريل القرآن.

قال الجنيد: (أربع ترفع العبد إلى أعلى الدرجات وإن قل علمه: الحلم، والتواضع، والسخاء، وحسن الأخلاق).

ماذا لي عند الله عز وجل من  فعل الجود؟ الأمر الأول : أن الجود هو مفتاح الرزق ،الأمر الثاني : أن هذا الجود يؤلف القلوب ما لا يؤلفه شيء.

من جود الله عز وجل على عباده أن يثيبهم على أعمالهم اليسيرة بالأجور العظيمة ومنها: قراءة القرآن ، المواظبة على صلاتي الفجر و العصر ، كفالة اليتيم ، الصوم في سبيل الله، من يتصف باللين ، الصدقة من الكسب الطيب.


* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.