بتاريخ٢٣/ ٦/ ١٤٤٤ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
في هذه الأيام التي نعيشها تنتهي عطلةٌ وتبدأ أخرى، ويبدأ أسبوعٌ وينتهي آخرُ، ويبدأ فصلٌ وينتهي فصلٌ آخر.
وهكذا حياتنا؛ يبدأ فيها فصلٌ من فصول السّرّاء وينتهي، فيبدأ فصلٌ من فصول الضّرّاء وينتهي، فالحياة لا يمكن أنْ تكونَ فصلًا واحدًا، ولا يمكن للإنسان أنْ يعيشَ في نكَدٍ
أو نعيم مُستمرَّينِ. فلو كنتَ أغنى الأغنياء، فسيأتي يومٌ يتغيّرُ حالك أو تمرض. وفي المُقابل؛ لو كنتَ أشقى الأشقياء، فقد تبتدئُ حياةً اجتماعيّةً جديدة، قد تتزوّجُ، أو تلتحقُ
بعملٍ مناسبٍ يتحسن به وضعك. فهذه هي الحياة؛ مزيجٌ من الأفراحِ والأحزان، والسّعادةِ والشّقاء، فرُبَّ حزنٍ يصيب الإنسانَ يظنُّ أنّه لن ينهضَ بعده، ويمرُّ الوقت، فإذا بالجرح يلتئم، والسّعادة تعود…
نحن مُطالَبون في هذه الفصول الحياتيّة بأنواعٍ من التعبُّد، فلا ينبغي للإنسان أنْ يعيشَ لمجرّد العيش فقط.
فنحن المسلمون نؤمِن أنّ حياتَنا كتابٌ كبيرٌ تُسجَّل فصولَه يومًا بيومٍ. وقد علّمنا النّبيّ ﷺ شيئًا من أسراره، وكيف تتعاقبُ على كتابته الكَتَبَةُ من الملائكة، وكيف يتناوبون علينا في صلاة الفجر وصلاة العصر.
فهم يكتبون كلّ عملٍ من أعمال الإنسان الحسَنةِ والسيّئة، فتُرْفَعُ صحفُ الإنسان بعد أنْ تُختم في نهاية اليوم.
لذلك لا بدّ لنا أنْ نتأمّلَ سنينَ أعمارِنا، ونتنبَّهَ لصحيفتِنا، صحيفتُنا التي إنْ طُويَت فلن تُفتَحَ إلّا عند الله
سبحانه وتعالى يومَ الحساب، عندما يُسلّمها سبحانه وتعالى لصاحبها يومَ العَرض عليه، يومَ يقول الله -عزّ وجلّ-: ﴿وٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا﴾ (الإسراء: ٤١).
ما الذي يجبُ أنْ نفعلَه عندما تتقلَّبُ بِنا فصولُ الحياة؟
أولًا: العيشُ باحتسابِ فكرةِ الابتلاء:
يقول جلّ جلاله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ (الإنسان: 20).
فلا تظُن أنَّ الابتلاءَ لا يكون إلّا بالمرض الأبديّ الذي يُبقِي صاحبَه في سريره، أو الفقرِ المُدقع. فالغنيُّ
والصّحيحُ الخالي من الأمراض مُبتلًى أيضًا، والحياةُ كلّها ابتلاءٌ، سواءٌ كنتَ في ضرّاءٍ أو سرّاء.
ولقد خلقَ الله -عزّ وجلّ- هذه الحياة وجعلَ لها فصولًا مختلفةً؛ الموتَ والحياة، السّعادةَ والحزن، الضحكَ والبكاء، إلّا أنّه جعلها متقلبةً؛ إذ لا تدومُ على حالٍ معين.
فعِشْ في هذه الحياة وفصولها وأنت مدركٌ أنّك ممتحنٌ، في هذا الامتحان الشّامل لكلّ البشر. واحرَص على النّجاح في هذا الامتحان
مهما آلمتك الدّنيا وأَغلقتِ أبوابها في وجهك، وكن عبدًا صابرًا شاكرًا. وفي المقابل أيضًا؛ مهما فتحَتْ لك الدّنيا أبوابَها وامتُحِنْتَ بالسّراء
فاحرصْ على النّجاح، فلا تطغَ، ولا تتكبرْ، ولا تتجبّرْ، مهما علا شأنُك، ولا تُغيّرْ مبادئَك بتغيُّرِ دنياك. واحذرْ أنْ تكون تلك السَّعةُ استدراجًا، يقول سبحانه وتعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾
(الأنعام: ٤٤).
ثانيًا- العَيش بنفسيّة الرّحيل:
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي ﷺ:
“لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ؛ فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ، كَالْيَوْمِ وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ الْخُوصَةُ”
[أخرجه أحمد في مسنده، وصحّحه الألباني]
لذلك فإنّ غيابَ بركةِ الأيّام في أيامنا هذه تُحتِّمُ على المُسلمِ أنْ يعيش عُمرَه وهو يُدرِك أنّه على وشكِ الرّحيل.
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ ﷺ: “مالي وللدّنيا! ما أنا والدّنيا إلّا كراكبٍ استظَلَّ تحت شجرةٍ، ثم راحَ وتركَها”
[أخرجه التّرمذي في سننه، وصحّحه الألباني] فالنّبيّ ﷺ يُشبِّه عمرَه في هذه الحياةِ الدّنيا برجلٍ أخذَ قسطًا من النّوم (قيلولةً) في ظِلّ شجرةٍ ثمّ غادرَها.
وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: جاء جبريلُ إلى النبي ﷺ وقال له:
“يا محمّد! عِشْ ما شِئتَ فإنّك ميّتٌ، وأَحببْ مَن شئت فإنّك مُفارقُهُ، واعملْ ما شئت فإنّك مَجزيٌّ به، ثمّ قال:
يا محمّد! شرفُ المؤمن: قيامُ اللّيل، وعزُّهِ: استغناؤُه عن النّاس” [أخرجه الحاكم في مستدركه، وحسّنه الألباني]
قدّم لك جبريل -عليه السّلام- وصفةً للتّعامل مع الدّنيا، لا للدفع إلى اليأس، بل لتضعَ الدّنيا في مَقامها
وفي حجمها الحقيقيَّينِ. فإيّاكَ أنْ تقاتلَ لأجلها، واطرحْها فإنّها زائلةٌ، ولا تنسَ للحظةٍ أنّك مسافرٌ، والمُسافرُ غريبٌ بلا شكٍّ.
فعلى الإنسان -مهما عاش- أن يتذكّرَ أنّه سيموت في أيّ لحظةٍ، فلا يوجد إنسانٌ على الإطلاق في مَأمَنٍ من الموت، وعملُه هو الذي سيحدّد
مكانه يوم الحساب، لا مدّة عمره. ومهما أحبَّ مِن أحبابه وأهليه فإنّه سيُفارقهم لا محالة. ومهما عمل مِن عملٍ فإنّه سيُثاب عليه خيرًا إن كان خيرًا، وسيُعاقَب عليه إنْ كان شرًّا.
ثالثًا- العيشُ بإعدادِ زادِ الآخرة:
فنحن لم نُخلَقْ في هذه الدنيا لأجل قضاء الوقت فحسب، بل يجب علينا أنْ نُعِدَّ العُدَّة، ونكسِبَ الحسنات التي هي زاد الآخرة، فغايةُ الحياة مُختصرَة في قوله -عز وجل-:
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 20).
وانطلاقًا من هذه الغاية؛ لا بدّ لنا أنْ نستثمرَ في هذه الدّنيا استثماراتٍ أُخرَوِيّةٍ، ومعنى هذا؛ أنّ تكون كلّ حياتنا الدّنيويّة
هي استثماراتٌ أخرويّة: في البيت، أو في العمل، مع الأهل، أو مع الزّوجة… والمُستثمر الناجح هو مَن يجعلها تعود عليه بالفائدة، ويجعلها بابًا لجنة الخلد
أمّا المُستثمر الفاشل فلا يجني إلّا الخسارات.
تذكّرْ أنك مسافرٌ بلا رجعةٍ، واحزِمْ أمتعتك، واملأْ حقائب الآخرة بالأعمال الصالحة. وأرسلَ لآخرتك أجودَ الأعمال وأنفسَها.
ولا تركَنْ إلى الدّنيا ولا تحرَصْ عليها، فما ستُبقِيه فيها هو زائل، أمّا الذي ينفعك فهو ما سترسله إلى الدار الآخرة.
فعن عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا قَال: بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا” [أخرجه التّرمذي في سننه، وصحّحه الألباني]
فعائشة -رضي الله عنها- تصدّقت بالشّاة كلِّها عدا الكتف، لأنّ النبي ﷺ كان يحبّه، فلمّا سألها أين الشّاة قالت:
ذهبت كلُّها وبقي كتفُها، لكنّ النبي ﷺ وضّح لها الحقيقة قائلًا: بقيتْ كلُّها وذهبَ كتفُها، فالجزء الذي ذهب للصّدقة هو الذي بقي، وسيبقى في صحيفة الأعمال، أما ما سيبقى لأهل البيت فهو زائل.
علمنا النبي أن نستغل ظروف حياتنا لإعداد زاد الآخرة
قال النبي ﷺ: “اغتنمْ خمسًا قبلَ خمسٍ؛ شبابَك قبل هرمِك، وصحتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شغلك، وحياتَك، قبل موتِك” [أخرجه الحاكم في مستدركه، وصحّحه الألباني]
شبابَك قبلَ هَرَمِك:
فالحياة تسير للأمام، وإنْ لم يأتِ الموتُ فسيأتي الكِبَرُ، وهذان خياران أحلاهما مُرٌّ، لكنّ النبي ﷺ يعطيك الحلَّ سريعًا؛
فأنت الآن تستطيع أن تسجدَ، وتبذلَ، وتعملَ… فاستغِلَّ ذلك قبل أن يأتي يومٌ تتمنّى فيه أنْ يعودَ بك الزمان لتعيدَ كلّ ما فرّطتَ به، ولن يفيدك حينها الندم.
فإن ما زلت شابًا، فاعلمْ أنّك في نعيمٍ عظيمٍ، فشتّان بين مَن نشأ في طاعة الله -عزّ وجلّ-، وعرف الطريق مُبكّرًا واستمرّ فيه، وبين مَن تأخّر كثيرًا، لذلك قال النبي ﷺ:
“سبعةٌ يُظلُّهمُ اللهُ في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه -وذكر منهم- “شابٌّ نشأَ في طاعةِ اللهِ عزّ وجلّ” [أخرجه البخاري في صحيحه]
صحّتَكَ قبلَ سَقَمِك:
فلا تأمنْ على نفسك الأيّام، فكلُّ البشر مُعرَّضون للإصابة بمرضٍ مؤلمٍ يسبّب لهم وهنًا مُزمنًا، وإرهاقًا أبديًّا، فلا أحد محصّنٌ من الابتلاء، وفي لحظةٍ واحدة
قد يتحوّل الإنسان من صحيحٍ إلى سقيمٍ، وبالتّالي لن تستطيعَ فعل ما كنتَ ستفعله لو بقيتْ صحتُك.
غناكَ قبلَ فقرِك:
قد يكون لديك المال، والوظيفة، وقد تكون من أصحاب الدّخل الجيّد، فاستغلَّ هذه الحال، وابذل في طرق الخير، لأنّ الأرزاق بيد الله تعالى
فلا تدري متى يحرمك الله من هذه النعم. فكم من رجال الأعمال ناموا على ثرواتٍ عظيمةٍ، واستفاقوا على انهيارها. فإنْ كنت من أصحاب المال فابذلْ في الخير ولا تنتظرْ أو تؤجّل.
فراغَك قبلَ شُغلِك:
إنّ نعمةَ الفراغِ نعمةٌ عظيمةٌ، فكم من أناسٍ يتمنّون لو يملكون من الوقتِ ساعةً لسماعِ درسٍ دينيّ، أو لقراءةِ جزءٍ من القرآنِ الكريم، فبعضُهم تجبرُه
لقمةُ العيش على العملِ أغلبَ ساعاتِ اليوم. فإنْ كنتَ تملك وقت فراغٍ، فاستثمرْه في الخيرِ وأعمالِ البرّ. فلا تدري متى يدورُ الزّمن دورتَه، وتتمنَّى أن تجدَ ذلك الوقت.
حياتَك قبلَ مماتِك:
فإذا جاءَ الموت، وخرجتِ الرّوح، فستتمنى أن ترجعَ لتصلّيَ ركعةً، أو لتتلوَ آيةً، أو لتقومَ ليلةً… فأعدَّ الزّاد، واستثمرْ ساعاتِ عمرِك قبل الرّحيل.
اغتنمْ الخَمسةَ ظروف واجعلْها أمامَك، واحرصْ على عدم إهمالِها، أو إهدارِها فيما يضرُّك، فلعلّك تتحكّم الآن بترتيبِ جدول أعمالك اليوميّ، فلَربّما تأتيكَ أيامٌ وفصولٌ أخرى لا تتيحُ لك ذلك.
رابعًا – العَيشُ بنفسيّةِ السِّباق:
إنّ فصولَ الحياة تستوجِبُ علينا -إذا ما أردنَا النّجاة- أنْ نعيشَها بنفسيّةِ السّباق، فعندما ذكر الله تعالى الدّنيا والسّعي للرّزق أمَرَنا
أنْ نمشيَ في جوانبها ونواحيها. وعندما ذكر طُرِقِ دخولِ الجنّة أمَرَنَا أن نتسابقَ في السّعيِ إلى أسبابِ المغفرةِ، فقال -عزّ وجلّ-:
﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الحديد: ١٢).
يقول الحسنُ البصريّ -رحمه الله-: “مَنْ نافسَك في دينِك فنافسْه، ومن نافسَك في دنياك فألقِها في نحرِه”
فعلى المنافسة أن تكون في أمورِ الدّين والتّقرّبِ من الله تعالى، أمّا الدّنيا فلا تستحقُّ أيَّ تنافسٍ.
وقد تحدّث الله تعالى في (سورة المؤمنون) عن فريقين:
فريقِ الكفّارِ العُصاة: فهؤلاء يُمِدُّهم الله تعالى بالأموالِ والأولادِ لا لأنّهم يستحقّون ذلك، بل فتنةً لهم واستدراجًا، يقول الله عز وجل:
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (المؤمنون: ٥٥- ٦٥).
فريقِ المؤمنينَ الطائعين: فهؤلاء مجتهدون في الطّاعة، دأبُهم المُسارعةُ إلى كلِّ عملٍ صالحٍ، مهما تقلّبتْ بهم فصولُ الحياة، يقول الله عزّ وجلّ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون: ٧٥-١٦).
فانظرْ إلى هؤلاء الذين فهموا كيفيّةَ الحياة، فهم يخافون اللهَ ويوقّرونَه ويعظّمونَه، ولا يشركونَ به تحت أيِّ ظرفٍ من الظّروف، ومهما تقلّبتْ أحوالُهم فالتّوحيد دَيدَنُهم، يستنيرون بنورِ (لا إلهَ إلّا الله)، ويحاربونَ الشّيطان، ولا يمتثلونَ للشّهوات، ويؤمنون بآياتِ ربّهم الشّرعيّة والكونيّة، ويأتمرونَ بأوامرِه، وينتهونَ عن نواهيه.
يجتهدونَ في أعمالِ الخيرِ والبرِّ وقلوبُهم خائفةٌ ألّا تُقبَل أعمالُهم، وألّا تنجيَهم من عذابِ ربّهم إذا رجعوا إليه يومَ الحساب، وهذا بالضّبطِ ما تساءلتْ عنه أمُّ المؤمنين.
فعن عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتْ: “قُلْتُ: يا رَسُولُ الله:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾
أهم الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ! وَلَكِنَّهُمُ الَّذِين يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ:
أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ” [أخرجه التّرمذي في سننه، وصحّحه الألباني]
فهؤلاء يفعلون الخيرَ ولا يعظّمون شأنَه، بل يفعلونَه ويشعرونَ بالتّقصير. فمهما بذلَ هؤلاء واجتهدوا لن يبلُغُوا نعمةً واحدةً
من نِعَمِ الله جلّ جلاله، ذلك أنَّ نِعمَ الله تعالى لا تُعَدُّ ولا تُحصَى.
أفرادَ الفريقِ الثّاني يعيشون حياتَهم بنفسيّةِ السّباق، يُسابِقون إلى اللهِ -عزّ وجلّ- لأنّهم على يقينٍ تامٍّ أنّهم راجعون ليومٍ لا ريبَ فيه.
لذلك فلْنكنْ مع الفريق الذي يُسارع ويُسابق في الخيرات، لا مع الفريق الذي يُمَدُّ له بالأموالِ والبنينَ استدراجًا وتحضيرًا له لعذابٍ أليمٍ.
هذه المشاعر الأربعة: الشّعورُ بأنّك في دارِ ابتلاءٍ وامتحانٍ، والشّعورُ بأنك على سفرٍ وفي دارِ رحيل، والشّعور بأنّه لا بدّ لك
من إعدادِ الزّاد، والشّعور بأنّك في سباقٍ مع الحياة، تسوقُك للثّبات في فصولِ الحياة المتقلِّبة. إذْ لا ينبغي لك الميلُ مع الرّيح، بل كُن شجاعًا، ولا يصُدَّنَّكَ عن تلك المشاعرِ أيُ مُثبِّطاتٍ.
اجعلْها مبدأً لا يمكن الانزياحُ عنه، وادّخرْها في رصيدِك الذي ستجني أرباحَه في الآخرة. فكن مُستثمِرًا ناجحًا، واستفِدْ من دَفَقَات الإيمانِ بداخلِك، ووجّهها
بكلِّ عزيمةٍ نحو الخير، حتّى إذا ما أصابَها الفتورُ فَتَرَتْ على خيرٍ.
أسألُ اللهَ سبحانَه وتعالى أنْ يجعَلَنا مِمّن يستعملُهم في طاعتِه، وأنْ يجعلَنا من أصحابِ هؤلاء المشاعر الأربعة، وأنْ يجعلَ خيرَ أعمالِنا خواتِمها، وخيرَ أيّامنا يوم أنْ نلقاه.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.



