بتاريخ ١٤/ ٢/ ١٤٤٤ هـ


لسماع المحاضرة صوتًا

( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )

بسم الله الرحمن الرحيم، إنّ الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا،

من يهده الله فلا مُضِلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله…

إنّ الحديث عن الفاروق عمر بن الخطاب حديث لا ينتهي، فإذا ذُكرت الشدّة في الحق ذُكر عمر، وإذا ذُكرت الرحمة بالمساكين ذُكر عمر،

وإذا ذُكر العدل والتواضع والفتوحات ذُكر عمر. وكيف لا وقد شهد له النبي ﷺ بقوله: «لو كان نبي بعدي لكان عمر»، وجعل له نصيبًا من أعظم الأوسمة،

فمرةً فسّر رؤياه بثوب طويل يجره بأنه الدين الكامل، وأخرى أعطاه فضلة اللبن في المنام وقال: «العلم»، ورآه النبي في الجنة فبكى غيرة من مقامه ورفعة منزلته.


نشأته قبل الإسلام

وُلد عمر بن الخطاب في مكة، ونشأ في بيئة قاسية جعلت قلبه صلبًا، لكن عقله حادًا ولسانه فصيحًا، وكان من القلة القادرة على القراءة والكتابة.

مارس التجارة وارتاد الأسواق وسافر في رحلات إلى الشام واليمن، فازدادت خبرته وقويت شخصيته،

لكنه كان في الجاهلية شديدًا على المسلمين، ممن يسخرون من ضعفهم ويؤذونهم.


إسلام عمر

شاء الله أن يستجيب لدعاء النبي ﷺ: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام»، فكان أن دخل بيت أخته فاطمة،

فسمع آيات من سورة طه، فخبت نار الغضب في قلبه وانشرح صدره للإيمان، فخرج إلى النبي ﷺ معلنًا إسلامه جهارًا،

ومنذ تلك اللحظة سُمّي بالفاروق؛ لأنه فرّق الله به بين الحق والباطل، فدخل المسلمون به مرحلة العلانية والقوة.


دوره ومكانته في الإسلام

لم يكد يمر حدث في الإسلام إلا وعمر حاضر فيه بقلبه ولسانه وسيفه، شهد بدرًا وأحدًا وجميع الغزوات، وكان صوته الهادر يجلجل في ساحات القتال وفي مجالس الشورى.

وافق القرآن رأيه في مواطن كثيرة، فكان من إلهام الله له أن اقترح اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، ونزلت الآية توافقه،

واقترح الحجاب على نساء النبي ﷺ فجاء الأمر الإلهي مؤيدًا لرأيه، وكان شديد الحرص على حماية مكانة النبي وأهله.


صفات عمر

امتاز عمر بصفات ظاهرة وباطنة، جسده القوي وصوته الجهوري وهيبته العجيبة كانت تقابل قلبًا رقيقًا يفيض رحمة وخشية لله،

ولسانًا بليغًا وحكمة نافذة. وكان عدله مضرب المثل، يقيم الحق ولو على نفسه وأبنائه، لا يحابي قريبًا ولا غنيًا.


عدله وهيبته

من أشهر مواقفه أنه اقتص لرجل قبطي من ابن والي مصر، وقال كلمته الخالدة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا».

وكان يحاسب أبناءه على أموالهم ويحرمهم من أي امتياز من موقعه كخليفة، ليبقى بيت المال خالصًا للمسلمين.


زهده وتواضعه

زهد عمر في الدنيا حتى وهو خليفة للمسلمين، فكان يلبس الثوب المرقع، ويأكل الخبز والزيت، وينام على الأرض بلا وسادة ولا حراسة.

وحين دخل مبعوث كسرى المدينة فوجده نائمًا تحت شجرة بلا حراس، قال عبارته المشهورة: «حكمت، فعدلت، فأمنت، فنمت». كان يتفقد الناس في الليل متخفيًا،

يحمل الدقيق والطعام على ظهره، يخدم الأرامل واليتامى بنفسه، ويطبخ الطعام بيديه للفقراء، ويرفض أن يراه أحد في موضع خدمة أو حاجة.


عام الرمادة

وعندما أصاب المدينة عام الرمادة، وهو عام جفاف شديد، امتنع عن أكل السمن والدسم حتى يشبع أطفال المسلمين،

وكان يخاطب بطنه قائلاً: «قرقر أو لا تقرقر، والله لا تأكل سمناً حتى يشبع أطفال المسلمين».

هذا الإيثار جعل حبه في قلوب الناس عظيمًا، ورهبته في قلوب الأعداء مضاعفة.


الفتوحات في عهده

وفي عهده امتد الإسلام شرقًا وغربًا، ففُتحت العراق وفارس والشام ومصر وبيت المقدس، لكنه مع عظمة الفتوحات بقي متواضعًا، يدخل القدس وهو يقود بعيره وخادمه راكب،

فلما أنكر الناس ذلك قال كلمته التي بقيت شعارًا للأمة: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله».


إدارته للدولة

كما نظّم الدولة الإسلامية إداريًا وماليًا، فأنشأ الدواوين، ونظّم بيت المال، واعتمد التاريخ الهجري ابتداءً من الهجرة النبوية،

وجمع القرآن الكريم بعد استشهاد القراء في معركة اليمامة، فحفظ للأمة كتاب ربها.


ورعه وخشيته لله

ورغم شدته في الحق وهيبته في الحكم، كان قلبه ممتلئًا خشية لله، يبكي إذا قرأ آية تهز وجدانه، ويقول: «لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها،

لمَ لمْ تصلح لها الطريق؟». كان يخشى أن يقف بين يدي الله فيسأله عن أحد من رعيته، فيبيت مهمومًا ويطوف على البيوت يتفقد الأحوال بنفسه.


استشهاده

واختتم الله حياة الفاروق بالشهادة، إذ طعنه أبو لؤلؤة المجوسي وهو يصلي بالناس صلاة الفجر. ورغم الألم، أوصى أن يُدفن بجوار النبي ﷺ وصاحبه أبي بكر الصديق،

فكان له ذلك، فجمعه الله بصاحبيه في الحياة والممات. رثاه الصحابة بكلمات مؤثرة، فقال ابن مسعود: «كان عمر حصنًا حصينًا للإسلام، يدخل فيه الناس ولا يخرجون، فلما مات انثلم الحصن».


مكانته في الجنة

إن عمر الذي بدأ حياته قاسي القلب شديد الطباع، ختمها زاهدًا خاشعًا، عدل في حكمه، وأقام ميزان الحق بين الناس، فحكم فأعدل، وزهد فارتفع،

وخاف الله فأمِن. وقد قال فيه النبي ﷺ: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين». لقد جمع الله له بين الرفعة في الدنيا والعلو في الآخرة،

فبقيت سيرته درسًا خالدًا للأمة في أن العز كل العز في التمسك بهذا الدين، وأن من طلب الرفعة بغير الإسلام أذله الله.


الخاتمة

لقد كانت حياة الفاروق عمر مدرسةً في العدل والزهد والخوف من الله، ودرسًا في أن القوة لا تكتمل إلا بالتواضع، وأن التمكين لا يدوم إلا بالتقوى.

رحم الله عمر الفاروق، فقد عدل فنام، وحكم فأنصف، وخلّد التاريخ ذكره بأحرف من نور إلى قيام الساعة.


* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.