بتاريخ ٢٥/ ١١/ ١٤٤٢ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
واهًا لريح العَشْر!
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد
أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أما بعد…
واهًا لريح الجنة! واهًا لريح العشر! هبَّت نسائمها ولا يفصلنا عنها إلا أربع ليالٍ، بعد أن بلغنا الله رمضان والعشر الأخيرة منه وخرجنا منها
بحالة إيمانية مرتفعة من الصيام والقيام والاعتكاف، شعرنا كأننا بلغنا السماء ثم جاء شوال بانشغالات العيد
والحياة فعاد الإيمان ينقص شيئًا فشيئًا، فمن رحمة الله ألا ينتهي شوال إلا ونُقبل مباشرة على ذي القعدة
وهو من الأشهر الحرم التي تتعاظم فيها السيئات وتُضاعف فيها الحسنات بكرم الله، فالسيئة لا تتضاعف عددًا
لكن الحسنات تُضاعف إلى أضعاف كثيرة وخاصة في الأشهر الحرم.
ثم يأتي ذي القعدة كتهيئة لموسم قصير جدًا لا يتجاوز تسعة أيام أو ثمانية ويوم عرفة، موسم عظيم جعله الله
لأمة محمد صلى الله عليه وسلم لأن أعمار هذه الأمة قصيرة مقارنة بالأمم السابقة التي امتدت أعمارهم إلى الألف والألفين سنة وأكثر
أما أعمار أمة محمد بين الستين والسبعين، فكان السابقون يتعجبون كيف سيعيش قوم أعمارهم قصيرة كهذه.
ونحن مع قصر أعمارنا نضيّع منها الكثير بالتسويف والتأخير وظن أن العمر طويل
لكنه قصير ولا يبقى منه إلا القليل، فنسأل الله البركة والتوفيق وألا يكلنا إلى أنفسنا.
هالكٌ ناجٍ!
قبل أن ندخل في محاضرتنا لهذا اليوم والتي بعنوان (واهًا لريح العشر!)
لنبدأ بهذا الموقف، تخيَّل معي لو كنت جالسًا عند الشاطئ، والناس يسبحون بالقرب إلا واحدًا أخذ يسبح بعيدًا بعيدًا حتى توسَّط البحر، وفجأةً إذا بحوت كبير يلتقمه ويغوص به في أعماق البحر… تتصوَّر أن يقوم أحد بإنقاذه؟ أو بمحاولة إنقاذه! بالطبع لا، انتهى المشهد! الكل يعلم النهاية، حوتٌ والتقم إنسانًا وغاص به في أعماق بحر… انتهت القصة، لا يمكن أن يأتي أحد ويقول: يا ترى ما الذي حصل لهذا الإنسان!
تخيَّل معي وأنت جالس بنفس مكانك على الشاطئ بعد يومين أو ثلاثة، وإذا بك فجأة تُبصر هذا الإنسان نفسة وهو يسبح عائدًا إلى الشاطئ، فيقف أمامك سليمًا صحيحًا ليس به بأس!
القصة قد تظنُّ أنَّها من نسج الخيال، لكنها ليست كذلك، هي حدثت حقيقة لنبي الله يونس -عليه السلام-، يونس -عليه السلام-
عندما رماه أهل السفينة في البحر، وشاهدوا بأعينهم هذا الحوت الكبير وهو يفتح فمه ويلتقمه… كان أمره بالنسبة لهم وبحساباتهم البشرية قد انتهى، لكن الأمر عند الله -عز وجل- كان مختلفًا، قال الله عز وجل:
{فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143-144]
إذًا ما الذي أنقذه؟
أنَّه كان من المسبِّحين، فلولا أنَّ يونس -عليه السلام- كان من الذاكرين الله كثيرًا قبل ما حلَّ به الذي حلَّ، ولولا تسبيحه في بطن الحوت؛ {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.
إذًا ذكر الله عز وجل عطَّل قوانين الطبيعة التي ندرسها ونؤمن بها، سواء من ناحية الأنزيمات الهضمية التي في بطن الحوت، والتي
من المفترض أن تُحلِّل ما في بطنه -يعني إن لم تقطعه أسنان الحوت وأنيابه؛ فإن الأنزيمات في بطنه كفيلة بتحلل جسده عليه السلام-
ومع ذلك فإن تسبيحاته عطلت هذا القانون، فلم تعمل تلك الأنزيمات، وسواء من ناحية مستوى الأكسجين
وأنَّه من اللازم أن يكون بمنسوب معين كلما غاص الإنسان أكثر، لكن الأمر مع يونس -عليه السلام- كان مختلفًا
كان بطن الحوت أشبه بغواصة بحرية حفظته حتى أوصلته إلى الشاطئ سالمًا معافى.
إذًا القصة باختصار هي: ذكر الله الذي كان عمل يونس -عليه السلام- وديدنه؛ هو الذي أنجاه من بطن الحوت.
منزلة الذكر وفضله:
الذكر من خير الأعمال، وأرضاها عند الله تعالى، وأرفعها في الدرجات:
قال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَرْضَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ
وَمِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ذِكْرُ اللهِ. وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: مَا عَمِلَ امْرُؤٌ بِعَمَلٍ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذِكْرِ اللهِ) [أخرجه ابن ماجه في سننه، وقال الألباني: صحيح]
الذكر وقاية من عذاب الله تعالى:
يقول تعالى: {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147]
الله عز وجل لا حاجة له في تعذيب خلقِه إن هم شكروا له وآمنوا به، والشكر يكون بخضوع القلب واعترافه بنعمة الله، وبثناء اللسان على المشكور، وبعمل الصالحات.
الذكر سبب لذكر الله عز وجل للعبد:
يقول الله عز وجل: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]
أذكروني بالثناء أذكركم بالعطاء، واذكروني بالتوحيد والإخلاص -كما نقول {إياك نعبد}- يذكرنا الله عز وجل بالخلاص وبالاختصاص وبالاستعانة وبالاستجابة.
ذكر الله تعالى يزيدك قوة إلى قوتك:
يقول الله سبحانه: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}، فالاستغفار والذكر سبب لزيادة القوة والبركة، كما قال نوح عليه السلام لقومه إن الاستغفار يجلب المطر والرزق والذرية.
ولهذا لما شكت فاطمة رضي الله عنها تعب الرحى طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم خادمًا، فأرشدها للذكر عند النوم: تكبير ٣٤ مرة وتسبيح وتحميل كل منهما ٣٣ مرة، وأخبرها أن هذا خير لها من خادم.
وتروي إحدى النساء أنها حين طبّقت هذا الذكر بعد أن سافرت خادمتها شعرت ببركة الوقت وسهولة أعمالها وختمت في رمضان أكثر من ذي قبل، ولما عادت تعتمد على الخادمة وتركت الذكر عاد الزحام والمشقة.
أنَّ به كفاية الهموم وغفران الذنوب:
يبيّن الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد أبي بن كعب إلى الإكثار من الصلاة عليه، وأن من أكثر منها كفاه الله همه وغفر ذنبه.
فمن أعظم أسباب كفاية الهموم وغفران الذنوب كثرة ذكر الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
فالناس اليوم مثقلون بهموم الغلاء والديون والوظائف والأبناء وغيرها، وقد دلنا النبي صلى الله عليه وسلم
أن استعمال اللسان في الصلاة عليه يكفي هموم الدنيا الماضية والمستقبلية ويغفر الذنوب، بدل أن نشكو للناس مثلنا، فنشكو لله ونكثر من الصلاة عليه فيكفينا الله ما أهمنا.
حصائد الألسن:
جذر كثير من مشاكل الحياة سببه اللسان الذي لا يُستعمل فيما خلقه الله له إلا عند من رحم الله.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثر ما يكبّ الناس في النار حصائد ألسنتهم، كما أخبر معاذ رضي الله عنه.
ومثال ذلك كمن يضع الملعقة في أذنه بدل فمه ليأكل، فيفسدها ولا ينتفع. كذلك اللسان خُلق للشكر والذكر
والكلام الحسن وصلة الأرحام، فإذا استُعمل للغيبة والظلم صار سببًا في هلاك صاحبه.
الذكر والعشر:
لماذا بدأنا بكل هذه المقدمات عن الذكر؟ لأننا مُقدِمون على موسم الذكر، والوظيفة الأولى لهذا الموسم القصير هي ذكر الله عز وجل، هذه الأيام هي أعظم
عند الله من أيام رمضان، وقد يكون هذا المعنى تكرر على أسماعنا مرارًا لكن لا بد أن يستقر في نفوسنا، فالله سبحانه أقسم بهذه الأيام {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ}
والمقصود بها ليالي عشر ذي الحجة، فنهار عشر ذي الحجة ولياليه أعظم من نهار رمضان إلا ليالي العشر الأواخر من رمضان لوجود ليلة القدر، فهي لا توازيها ليلة.
إذًا الأيام التي سنُقبل عليها هي أفضل أيام الدنيا كلها، الفرائض فيها أعظم من الفرائض في غيرها وكذلك النوافل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(ما العمل في أيام أفضل منها في هذه…) وقال: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام…) وهذه الجملة (أحب إلى الله) جملة عظيمة
ولا توجد أيام مفضلة عند الله مثل هذه الأيام، ولا يوجد عمل مرتبط بها مثل ذكر الله عز وجل.
ونحن مع الذكر على يسره مقصرون فيه لأننا ننشغل بأعمال الجوارح، نتصدق أو نوزع ماء أو نشترك في مشروع
فنشعر أننا عملنا صالحًا لأنها أعمال محسوسة، أما الذكر بأن تجلس وتعطي نفسك فرصة يكون بينك وبين الله علاقة، تمجده
تثني عليه، تحمده، تعظمه، تتفكر في نعمه عليك وتتأملها نعمة نعمة، هذا التفكر يجعل القلب يطير في ملكوت الله إخباتًا ورجاءً وحبًّا ورغبةً…
يا ربي تنعم علينا بكل هذه النعم مع ما نحن فيه من تقصير وذنوب تتوالى!
ما أصبحنا يومًا جائعين أو عارين أو وقد هدمت بيوتنا… ليلة أمس قرأت كلمة لأحدهم: تصبحون على خير
أنتم الليلة جميعًا في بيوتكم، وبيت فلان في فلسطين ينامون الليلة بدون بيت فقد هدم الصهاينة بيتهم. تخيّل بيتك الذي عشت فيه عشرين
أو ثلاثين سنة يُهدم هكذا بين يوم وليلة! نحن مغدقون بالنعم ومع ذلك غافلون عن شكر المنعم وذكره، فنحتاج أن نعطي أنفسنا فرصة لنذكر ربنا تعالى ونشكره…
(دورة مكثفة في الذكر):
هذه الأيام العشرة هي كالدورة التدريبية المكثفة في ذكر الله عز وجل.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ. يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)[أخرجه أبو داود في سننه، وقال الألباني: صحيح].
ويقول -صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر: (ما مِن أيَّامٍ أعظَمُ عِندَ اللهِ ولا أحَبُّ إليه مِن العَمَلِ فيهنَّ مِن هذه الأيَّامِ العَشرِ، فأكثِروا فيهنَّ مِن التَّهليلِ والتَّكبيرِ والتَّحميدِ) [أخرجه أحمد في مسنده، وقال المحقق: حديث صحيح ].
إذًا لا شيء أفضل من ذكر الله في هذه العشر، الصحابة الذين يعرفون فضل الجهاد قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ الجهاد الذي فيه إزهاق الأرواح وإراقة الدماء!
قال: ولا الجهاد، إلا في حالة واحدة فقط، رجل خرج بكل ما يملك (روحه وماله) فلم يرجع منهما بشيء، سَبَلَ نفسه تمامًا لله، هذا الفعل الذي من قام به في يوم عادي، فَفِعْلُه أحب إلى الله من فِعْل سائر الأعمال الصالحة الأخرى في أيام العشر، أما غير ذلك فإن اشتغل بذكر الله في العشر فقد اشتغل بأحب الأعمال إلى الله.
فلو استغللنا هذه العشر بالشكل الصحيح، وأضفناها إلى الثلاثين يومًا الماضية من رمضان، لأصبح المجموع أربعين يومًا، هذه الأربعون هي بمثابة الشحن للـثلاثمائة وخمسة وعشرين يومًا الباقية.
فمواسم الخيرات هذه لا ينبغي أن تضيع دقيقة منها، ولا ينبغي أن نستسلم فيها لزحام الدنيا، وهذه التسعة أيام هي من أعظم المواسم؛ ولذلك أقدرها حق قدرها.
(ليَرَينَّ الله ما أصنع!):
أنس بن النضر رضي الله عنه فاتته غزوة بدر فحزن لأن مشهدًا من مشاهد الإسلام فاته، فقال: «ليرين الله ما أصنع»
مظهرًا صدقه وحرقته، فلما جاءت أُحد قال لسعد: «إني أجد ريح الجنة دون أُحد» فقاتل حتى قُتل، ووجدوا به أكثر من ثمانين ضربة، ولم يُعرف إلا ببنان إصبعه. نزل فيه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}، فالله اصطفاه وبلغ مرتبة الشهداء الذين أرواحهم تحت العرش.
العبرة أن أنسًا رضي الله عنه صدق في نيته ولم تكن كلمات فقط، بل عمل بها حتى لقي الله شهيدًا، فهل نستطيع نحن أن نقول بصدق:
واهًا لريح العشر! ونصدق ربنا أننا لن نفرّط فيها كما فرطنا من قبل؟
أسهل عبادة جسديَّة وأصعب عبادة قلبيَّة:
تدرون أين المشكلة؟
هذا الموسم يختبرنا الله فيه بأسهل عبادة وهي الذكر، فهو أسهل عبادة جسدية لأن تحريك اللسان لا يتعب مثل الأعمال الجسدية، لكنه أصعب عبادة قلبية
لأن الناس ينشغلون بالكلام التافه في المقاهي والنوادي ولا يذكرون الله ولا يتفكرون في نعمه.
ينبغي ألا نضيع دقيقة من هذا الموسم، فحتى الاجتماعات يمكن جعلها مفيدة بذكر الله وتدبر آية بدل الأحاديث الفارغة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(من قعد مقعدًا لم يذكر الله فيه كانت عليه حسرة).
الملائكة ترفع الصحائف والله يطلع عليك، فلو كنت من الذاكرين الله كثيرًا في كل يوم من العشر فأي معية وولاية من الله ستكون لك! مثلما أخرج الله يونس عليه السلام بالذكر من بطن الحوت، كذلك يقضي الله همومنا لو صدق يقيننا.
الدورة التدريبية في الذكر تجعلك تواجه الدنيا بقوة الله لا بضعفك، وبغناه لا بفقرك، وبقدرته لا بعجزك. كم مرة عجزت
أمام مشكلة وأدركت أن عقلك لا ينفع، فتقول: يا ربي تولني بولايتك، فيخرجك الله منها إذا صح يقينك به.
لذلك نحن محتاجون أن نركز تركيزًا كاملًا على ذكر الله في هذه الأيام ليل نهار.
(هذه غدوتي، لو لم اتغدها لسقطت قوتي):
بن تيمية –رحمه الله– كان يجلس بعد الفجر حتى انتصاف الشمس (خمس ساعات تقريبًا) ويقول:
«هذه غدوتي لو لم أتغدها لسقطت قوتي». كذلك أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها جلست في مصلاها ساعات، وأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بأذكار قليلة تعادل جلسة طويلة.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس من الفجر حتى الشروق يذكر الله ويسبحه، وهذه الجلسة –جلسة الإشراق– ولو كانت قصيرة
فهي امتحان للنفس، وهي أغيظ ما يكون على الشيطان، وينبغي أن تكون بخشوع وحضور قلب لا بانشغال بالهاتف أو الوقت.
الذكر يجب أن يكون باستحضار النعم والذنوب ولطف الله، فتفيض العين خشيَةً.
فقد وعد الله أن يظل من ذكره خاليًا ففاضت عيناه.
المؤمن يجعل له جدولًا في هذه الأيام ليكثر من الذكر، مثل النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يستغفر مئة مرة
في المجلس مع أصحابه. فلو لم نبكِ من الذكر في هذه الأيام فمتى؟
كرم الكريم ولطف اللطيف سبحانه:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَان، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ –أَوْ تَمْلَأُ– مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)
وهذا الحديث يُذكّرنا بعظمة الأجر الذي ييسّره الله لنا بكلمات يسيرة، وأن كلمة واحدة مثل (الحمد لله) تملأ ميزان العبد يوم القيامة، والميزان واسع جدًا
حتى إن السماوات والأرض لو وضعت فيه لوسعها، كما جاء عن سلمان رضي الله عنه أن الملائكة تتعجب فتقول: يا رب لمن تزن بهذا؟ فيقول: لمن شئت من خلقي، فيقولون:
سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
ورغم عظمة هذا الفضل فإن أعمالنا قليلة ومهلهلة، وصلاتنا وأذكارنا متقطعة منشغلة بالكلام والهوى، لكن من رحمة الله بنا
أن جعل مثل هذه الكلمات البسيطة تملأ الميزان وتثقل كفة العبد عند الله.
وجاء أيضًا في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(خصلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل)
وهي أن يسبح ويحمد ويكبر بعد كل صلاة عشرًا، وإذا أوى إلى فراشه سبّح وحمد وكبّر مائة، فتكون في الميزان
ألفان وخمسمائة حسنة يوميًا، ومع ذلك من يعمل بهما قليل لأن الشيطان يأتيه في صلاته فيشغله ويذكره
بما نسي حتى لا يذكر الله، وعند نومه ينعسه حتى ينام قبل أن يتم الأذكار.
واليوم صار جمع السيئات أسهل من ذي قبل، بكلمة أو مقطع أو مشاركة تكتب عليك آلاف السيئات في لحظات
بينما الأجر مضاعف بكلمات قليلة لكن الناس ينشغلون عنها. فيضيع عليهم ملء الميزان الذي وعد الله به من يسبح ويحمد ويذكره دبر الصلاة وعند النوم، وهي أسهل الأعمال لكنها أثقلها على النفس إذا لم ينتبه العبد لحيله الشيطان ويجاهد نفسه عليها.
ختامًا:
نختم حديثنا بهذه النقاط الثلاث
الأولى:
قول الله تعالى {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}، أي اجتنبوا الذنوب خاصة في الأشهر الحرم ومنها ذو الحجة.
فلا تظلم نفسك بالوقوع في الحرام، واحرص على حماية بصرك وسمعك ولسانك، واحذر مما يمر عليك من محرمات في وسائل التواصل، فهي ذنوب
قد لا تبالي بها لكنها محسوبة {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}. فالأيام التسعة ينبغي أن تكون صافية من المعاصي.
الثانية:
أفضل عمل في هذه الأيام هو الإكثار من الذكر مع تقوى الله، لكن لا يقتصر الأمر على الذكر وحده
بل اضرب بسهمك في كل أبواب الخير، فلا تدري أي عمل يقبله الله منك. الجهاد في سائر السنة خير من عبادة طويلة
والعمل الصالح في هذه العشر أفضل من الجهاد في غيرها، فما بالك بالتسبيحة الواحدة أو قراءة آية! وهي تجارة مع الله ينبغي
أن نستعد لها كما يستعد الناس لمواسم الدنيا. بادر بالأعمال قبل أن تنشغل بفتن الدنيا، واغتنم خمسًا قبل خمس:
شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك.
الثالثة:
من أعظم الأذكار تسبيح الله مائة مرة، فلك ألف حسنة أو تحط عنك ألف خطيئة، ولو واظبنا عليها كل يوم مع الأذكار
وذكرنا الله في الطرق والأعمال لكسبنا غنائم عظيمة. ومن أعظم القربات أيضًا الصيام؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء، والصوم يباعد وجه صاحبه عن النار سبعين سنة، فتسعة أيام تعادل ستمائة وثلاثين سنة بفضل الله. كذلك الصدقة تطفئ غضب الرب وبرهان الإيمان، والأضحية سنة مؤكدة لأهل البيت
إحياءً لسنة إبراهيم عليه السلام، ومن أراد الأضحية أمسك عن شعره وأظفاره ولا يبالغ بترك الاغتسال أو التمشيط.
وخلاصة ذلك: تجتمع في العشر أمهات العبادات: الذكر، والصلاة، والصيام، والصدقة، والعمرة، والحج، والأضحية، فليحرص المسلم على اغتنامها كلها بصدق وإخلاص.
رسالة توصية:
ابتدأ الله سبحانه سورة الفجر بقوله: {وَالْفَجْر * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2]، ثم ختم سبحانه السورة بتلك الآيات العظيمة: {یَـٰۤأَیَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَىِٕنَّةُ * ٱرۡجِعِیۤ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِیَةࣰ مَّرۡضِیَّةࣰ * فَٱدۡخُلِی فِی عِبَـٰدِی * وَٱدۡخُلِی جَنَّتِى} [الفجر 27-30]، فمن أراد حسن الختام فليحسن البدء، والله -عز وجل- ابتدأ هذه السورة بالليالي العشر، بموسم العشر الذي سيأتينا، فدونكم هذا الموسم، ومن صحَّ له العمل فيه واستغله بما يرضي ربه فليبشر -بإذن الله- بهذا النداء: {یَـٰۤأَیَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَىِٕنَّةُ * ٱرۡجِعِیۤ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِیَةࣰ مَّرۡضِیَّةࣰ * فَٱدۡخُلِی فِی عِبَـٰدِی * وَٱدۡخُلِی جَنَّتِى}.
هذا وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم، وأن يبلغنا العشر وأن يرزقنا فيها عملًا صالحًا متقبلًا.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.



