بتاريخ ٣/ ٩/ ١٤٤٣ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الغفور الرحيم، الكريم الحليم، الذي وعد عباده بالمغفرة مهما عظمت ذنوبهم وكثرت معاصيهم إذا هم رجعوا إليه وصدقوا في التوبة.
الحمد لله الذي فتح أبواب الرجاء ولم يجعل بينه وبين عباده حجابًا، ودلهم على الطريق إليه ولو ضلّوا مرات ومرات. والصلاة والسلام على نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاءنا بالبشارة العظمى: أن ربنا أرحم بنا من أمهاتنا وأن رحمته سبقت غضبه.
إن من أجمل ما يريح قلب العبد إذا وقع في الذنب أو أسرف على نفسه أن يعرف صفات ربه حق المعرفة.
الله سبحانه سمّى نفسه الغفور، الغفار، التواب، العفو.
سمّى نفسه ستّيرًا يحب الستر على عباده. ومن تأمل هذه الأسماء وجد فيها باب أمل لا ينغلق، بل إن بعض أهل العلم قال:
من ظن أن ذنبه أكبر من مغفرة الله فقد ظن بربه ظنّ السوء.
من أجمل ما قيل:
إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه ليغسله من ذنوبه. يبتليه بشيء من الهم، أو المرض، أو فقد حبيب، أو ضيق في رزق، كل ذلك من رحمة الله بعبده.
وربما كانت المعصية نفسها باب خير إذا أيقظت القلب وأعادته إلى الله. قال بعض السلف:
«رب معصية أورثت ذلًا وانكسارًا خير من طاعة أورثت عزًا واستكبارًا».
إذا تأملت في القرآن رأيت كيف أن الله قرن بين الأمر بالتقوى والأمر بالتوبة. قال سبحانه:
(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ).
لاحظ أنه خاطب المؤمنين بالتوبة، لأن الذنب لا يسلم منه أحد. كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون.
من أعظم الأمثلة التي تعطي العبد أملاً قصة الرجل الذي قتل مائة نفس. أي ذنب أعظم من سفك الدماء ظلمًا؟
ومع ذلك لما صدق في توبته غفر الله له. لم يقل الله: ذنبك لا يغتفر. بل فتح له الطريق، وألهمه أن يخرج من أرض السوء إلى أرض الطاعة.
والآيات كثيرة تدل على سعة رحمة الله. قال الله:
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ).
كم من قلب ضائع ردّه الله بهذه الآية! كم من شاب أو شابة غرق في معصية، ثم سمع هذا النداء فعاد وأناب، فصار من أحب خلق الله إليه.
حتى لو كان ذنبك خفيًا يعلمه الله وحده، إن صدقت في التوبة بدّله الله حسنات.
من عجائب لطف الله أن الحسنات تمحو السيئات ولو كانت صغيرة. ركعة، دمعة، صدقة، دعوة في جوف الليل. كل هذا يمحو الله به الأوزار. قال الله عز وجل:
(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «واتبع السيئة الحسنة تمحها».
ومن بركات التوبة أن الله يبدل السيئات حسنات. تأمل هذا الكرم!
ليس فقط يغفر الله الذنب بل يحوّله رصيدًا من الحسنات إذا صحّت التوبة. يقول بعض المفسرين: من تاب من ذنب كأنه لم يقع قط، بل صار كأنه فعل خيرًا مكانه.
الله جعل لك أبوابًا كثيرة للعودة إليه. أعطاك الاستغفار في كل وقت. كم مرة قال ﷺ:
«والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». إذا كان النبي المعصوم يكثر الاستغفار، فما بالنا نحن؟ وكان يقول:
«طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا».
جعل لك أبوابًا أخرى: الوضوء
الصلاة
الصدقة
صبرك على البلاء
حسن خلقك
دعاؤك للناس
برّك بوالديك، مسامحتك لمن ظلمك، كل ذلك كفّارات.
قال ﷺ: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه».
لا تظن أن ما بينك وبين الله بعيد، بل هو أقرب إليك من حبل الوريد. أحيانًا يكون أعظم باب للتوبة دمعة تسكبها خاشعًا وأنت تقول:
رب اغفر لي. أو سجدة في جوف الليل لا يراك فيها أحد.
من الجميل أن نعرف أن الله يحب العبد الذي يلح عليه بالدعاء. لا تمل من أن تقول:
يا رب اغفر لي، يا رب تب عليّ، يا رب استرني. قال تعالى في الحديث القدسي: «يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم جئتني لا تشرك بي شيئًا لغفرت لك».
انظر إلى الكرم! ذنوب كالجبال يمحوها دعاء صادق.
لا ننسى أن نقول للناس: لا تغتر بالذنوب ولا تؤجل التوبة. ربما ذنب صغير تحسبه هينًا يكون سببًا في هلاكك لو أصررت عليه. وربما ذنب عظيم يغفره الله إذا تبت وخشعت. المهم:
لا تصر، ولا تتهاون. كلما أخطأت ارجع. حتى لو وقعت ألف مرة، تب ألف مرة. الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
واحرص على أن تفرح إذا وجدت في قلبك حياءً من ذنب. لأن الحياء علامة حياة القلب. من كان قلبه حيًا أسرع إلى الاستغفار. أما الميت فلا يبالي.
فيا من أثقلتك ذنوبك: لا تيأس، اطرق الباب وابكِ على نفسك وقل: يا رب إن لم تغفر لي فمن يغفر؟ واعلم أن الله إذا أحب عبدًا ستره في الدنيا والآخرة وأبدله خيرًا مما ترك.
اللهم اغفر لنا ما مضى، واهدنا لما بقي، واغسل قلوبنا من الذنوب كما يُغسل الثوب الأبيض من الدنس. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.



