بتاريخ ١٧/ ٩/ ١٤٤٣ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.
من أعظم نعم الله على عباده أن جعل لهم مواسم تعود في كل عام، تتنزل فيها الرحمات، وتُغفر فيها الذنوب، وتُعتق فيها الرقاب من النار. وهذه المواسم رحمة بالقلوب التي تضعف،
وتحتاج إلى تجديد العهد بالله بعد فترات من الفتور والانشغال. ومن أعظم هذه المواسم شهر رمضان، الذي خُتمت أيامه بالعشر الأواخر، وفيها أعظم النفحات وأوسع الأبواب إلى القرب من الله.
تأتي العشر الأخيرة لتكون فرصة أخيرة للتدارك، ومنحة لمن فاته خير الأيام الأولى، ولتذكّر المؤمن أن أعظم ما في العبادات نهاياتها، كما أن أعظم ما في الصيام لحظة الفطر،
وأعظم ما في القيام وقت السحر، وأعظم ما في الحج يوم عرفة. وهكذا، فإن أعظم ما في رمضان هي هذه العشر المباركة.
حال المؤمن في العشر الأواخر
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله. هكذا يكون المؤمن في هذه الأيام؛ يشد من عزيمته،
ويتخفف من الكسل، ويوقظ من حوله ليشاركوه الأجر. فهي أيام جِدّ لا لهو فيها، وليالٍ مباركة لا تعوّض.
ومن ضيّع ما مضى فليغتنم ما بقي، فإن الله كريم يفتح أبوابه في كل حين، ويعطي من أقبل عليه مهما تأخر.
ليلة القدر وفضلها العظيم
ليلة القدر ليلة عظيمة، قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
هي ليلة نزول القرآن، ليلة تتنزل فيها الملائكة والروح، وتمتلئ الأرض سلامًا إلى طلوع الفجر.
فيها يكتب الله الأقدار للسنة القادمة، وتُرفع فيها الدعوات، وتُمحى فيها الخطايا لمن صدق الإقبال.
أخفاها الله ليجتهد الناس في طلبها، فيحيوا العشر كلها رجاء إدراكها، لأن الله يحب من عباده الإقبال الدائم لا الموسمي.
هي ليلة القدر لأنها ليلة ذات مكانة عظيمة، نزل فيها كتاب ذو قدر على نبي ذي قدر، بيد مَلَك ذي قدر، على أمة ذات قدر عند الله. ومن عرف قدرها نال قدره عند ربه.
التحري والاجتهاد في العشر
أعظم ما يُظهر صدق الإيمان أن يجتهد العبد في العشر كلها، فلا يتكل على ليلة محددة، ولا يجعل عبادته رهينة بموعد.
من عرف قيمة هذه الليالي، لم يرضَ أن تمر عليه غافلًا أو مشغولًا، بل يملؤها بالصلاة والقرآن والذكر والدعاء.
فالنفحات تمر سريعًا، والعاقل من استثمر ما بقي من عمره فيما يقرّبه من الله.
الفرار إلى الله
قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾.
الفرار إلى الله ليس هربًا من الواقع، بل رجوعًا إلى الأصل، إلى الراحة التي لا يجدها القلب إلا في القرب من خالقه.
هو هروب من الضيق إلى السعة، من الذنب إلى التوبة، من الغفلة إلى الذكر، من الناس إلى خالق الناس.
أن يفرّ العبد من كل ما يثقل روحه: من ضجيج الدنيا، وتشتت القلب، وارتباطاته التي تسرق وقته وهمّه.
الفرار إلى الله يعني أن تأتيه كما أنت، بضعفك وذنوبك، متوسلًا برحمته، مطمئنًا أن الله لا يردّ من طرق بابه مخلصًا.
الاعتكاف ومعناه
الاعتكاف في العشر الأواخر صورة عملية من صور الفرار إلى الله.
هو لزوم المسجد والانقطاع عن مشاغل الدنيا، وتفريغ القلب لله وحده.
يعلّم النفس الصمت إلا عن الذكر، والانشغال إلا بالقرآن، ويغسل ما علق بالقلب من شوائب.
الاعتكاف ليس مجرد بقاء في المسجد، بل هو خلوة صادقة مع الله، تجدد العهد، وتصل القلب بالسماء بعد انشغال طويل بالأرض.
ومن لم يستطع الاعتكاف الكامل فله نصيب من أجره إن نوى الخير، وخصص وقتًا من يومه أو ليله ليعتكف فيه عن الدنيا ويقبل على الله.
تصفية القلب من الفضول
من أعظم أسباب قسوة القلب كثرة الفضول: فضول الكلام، وفضول النظر، وفضول الأكل، وفضول الانشغال بما لا ينفع.
هذه العشر مدرسة في تهذيب النفس وضبطها، فالذي يريد لذة الطاعة لا بد أن يبتعد عن الملهيات.
السكوت عن اللغو، غض البصر، الاقتصاد في الطعام، والانشغال بالذكر؛ كلها أبواب تفتح للقلب نورًا وصفاءً.
وسائل الاغتنام في العشر الأواخر
تجديد النية: أن يكون كل عمل خالصًا لله، لا رياء فيه ولا طلب ثناء، فإن الله لا ينظر إلى الكثرة بل إلى الصدق.
استفراغ الوسع: أن يبذل العبد طاقته كلها في العبادة، دون إفراط أو تهاون، فالعشر قصيرة لكن أثرها يمتد للأبد.
التبتل إلى الله: أن يتفرغ القلب لذكر الله ومحبته، ويأنس بمناجاته، فيغدو وجوده كله لله.
المجاهدة والصبر: أن يداوم على الطاعة ولو لم يجد لذتها في البداية، فإن اللذة ثمرة الصبر.
حسن الظن بالله: أن يدخل على الكريم برجاء وثقة بأنه لا يرد من قصده، وأن رحمته أوسع من ذنوب عباده.
عبادات السر: أن يكون له عمل خفي بينه وبين ربه؛ صدقة لا يعلم بها أحد، أو ركعات في جوف الليل، أو دعاء صامت لا يسمعه إلا الله.
تعظيم الليالي في البيت: أن يوقظ أهله ويغرس فيهم حب العبادة وتعظيم هذه الأيام، لتبقى آثارها في حياتهم بعد رمضان.
الدعاء في العشر الأواخر
أعظم الدعاء في هذه الليالي هو ما علّمه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة:
«اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».
فمن نال عفو الله مُحي ذنبه من صحيفته، وطهرت نفسه من أثر المعصية، وخرج من رمضان كأنه وُلد من جديد.
العفو هو الغاية التي يسعى إليها المؤمنون في هذه الليالي، لأن من عفا الله عنه نجا وفاز.
حاذر من الحرمان
أشد ما يُخشى أن يشهد العبد هذه الليالي وقلبه غافل، منشغل بالدنيا، مقيم على المعاصي، فيُحرم من خيرها.
الحرمان لا يأتي إلا لمن اختار الغفلة على الطاعة، والراحة على المجاهدة.
فما أقسى أن تُفتح أبواب الرحمة ولا يدخلها القلب، وما أضيع أن يُنادَى إلى الجنة فيُعرض الإنسان عنها.
الخاتمة
كانت هذه الأيام فرصة عظيمة للفرار إلى الله، والعودة الصادقة إليه، ومراجعة مسار الحياة قبل أن تنقضي الأعمار.
أسأل الله أن يجعل هذه الليالي خيرًا لنا، وأن يعفو عنا، ويغفر لنا، ويرحمنا، إنه هو العفو الغفور، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.



