بتاريخ ١٤/ ١١/ ١٤٤٣ هـ


لسماع المحاضرة صوتًا

( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.

إن أجمل ما في هذا الدين أنه يخاطب النفس في جميع حالاتها، يوجّهها في الحزن كما يوجّهها في الفرح، ويعلّمها كيف تحتسب وتصبر وتحمد الله على البلاء قبل العطاء.

فالمؤمن يعيش بين سراء وضراء، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له.

تلك منزلة لا ينالها إلا مؤمن عرف أن الحياة كلها اختبار، وأن الفرح والابتلاء كلاهما طريق إلى الله.

النبي ﷺ عاش الحزن والفرح، لكنه كان من أسعد الناس، سُمّي عام من أعوامه بعام الحزن لفقد خديجة رضي الله عنها وعمه أبي طالب وأبنائه،

ومع ذلك ظلّ مبتسمًا راضيًا بربه، ثلاث عشرة سنة وهو يلقى صنوف الأذى في مكة، يوضع على ظهره سلا الجزور ويُؤذى بالكلمة والفعل، ومع ذلك كان وجهه إذا سُرّ استنار كأنه قطعة قمر،

وكان يفرح لفرح أمته، وحين رأى قومًا فقراء حزن لفقرهم، فدعا الناس للصدقة حتى امتلأ المكان بالطعام والثياب، فتهلل وجهه فرحًا كأنه قطعة من ذهب.

وكان ﷺ يفرح بكلمة صادقة من أصحابه، كما فرح بقول المقداد يوم بدر: “لن نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى، بل نقاتل عن يمينك وشمالك”،

فانبسط وجهه فرحًا، لأن الفرح عنده لم يكن دنيويًا، بل فرح بطاعة الله وبالثبات على الحق.

ومن أعظم ما يحبّه الله أن يُدخل العبد السرور على مسلم، قال ﷺ: «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم»،

فالدين ليس صلاةً وصيامًا فحسب، بل هو حياة كلها إحسان، تبسمك صدقة، وإلقاء السلام عبادة، وإدخال الفرح على قلب مؤمن قربة يحبها الله.

وكان ﷺ يقول: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»، فالمؤمن دائم البشر، لين الوجه، سليم القلب، يعيش بين الناس سببًا للراحة والطمأنينة.

ومن صور الفرح المشروع إجابة الدعوة الخالية من المنكر، كما قال النبي ﷺ: «حق المسلم على المسلم… وإذا دعاك فأجبه».

وكان من سرور النبي ﷺ أن يُبنى بيت يعبد الله فيه، فحث على الزواج، وقال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج». وأوصى باليسر فقال: «خير الصداق أيسره»،

وقال: «من يُمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها وتيسير رحمها»،

وكان عمر رضي الله عنه يقول: لا تغالوا في مهور النساء، فإنها لو كانت كرامة لكان نبيكم أولى بها، وما علمت أنه نكح شيئًا على أكثر من اثنتي عشرة أوقية.

وأمر ﷺ بإعلان النكاح، فقال: «أعلنوا هذا النكاح، واجعلوا فيه الدف»، وهو للنساء دون الرجال. أما المعازف وآلات اللهو فقد حرّمها الأئمة الأربعة،

ولم يُستثن إلا الدف في مواضع محددة كالنكاح والعيد وقدوم الغائب. فالموسيقى تُميت القلب، أما الفرح المشروع فبذكر الله وشكره، والدف لإشهار النكاح دون معصية.

ودعا النبي ﷺ إلى الوليمة فقال لعبد الرحمن بن عوف: «أولِم ولو بشاة»، وأولم ﷺ لزواجه بصفية ثلاث ليالٍ، بتمرٍ وسمنٍ وإقط. فالوليمة مظهر شكرٍ لله وتوسعة على الناس وإشهارٌ للزواج.

وكان ﷺ يدعو للمتزوجين: «بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير».

الزواج آية من آيات الله، قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾،

وهو رباط مقدس يجب أن يُصان عن الحرام، فالحشمة زينة المؤمنات، واللباس ستر وكرامة. قال النبي ﷺ: «صنفان من أهل النار… نساء كاسيات عاريات لا يدخلن الجنة»،

وقال تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن…﴾، فالتعري عقوبة، وأول ما عوقب به آدم وحواء أن نُزع عنهما لباسهما.

ومن ترك اللباس تواضعًا لله ناداه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يختار من حلل الإيمان ما يشاء.

فينبغي أن تُصان مناسبات الفرح من المظاهر المحرمة كالغناء والمجون والتقليد الأعمى،

ومن ذلك عادة لبس الدبلة ذات الأصل النصراني التي ترمز لعقيدة باطلة، فليكن الفرح طاهرًا كما أراده الله.

قال تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾.
الفرح الحقيقي أن تفرح بالله وهدايته، أن تفرح لأنك على الطريق المستقيم، أن يكون فرحك بما يرضي الله لا بما يغضبه.

ففضل الله هو الإسلام، ورحمته هي القرآن، وهما خير من الدنيا وما فيها. من وجد الله وجد كل شيء، ومن فقد الله فقد كل شيء.

فليكن فرحك بطاعة الله، وبرمضان إذا أقبل، وبعرفة إذا اقترب، وبالقرآن حين تقرؤه، وبالصلاة حين تناجي ربك، فهذه أفراح المؤمنين.

قال السلف: “مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها”، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قالوا: محبة الله ومعرفته. فمن وجد الله فماذا فقد، ومن فقد الله فماذا وجد؟

نسأل الله أن يجعلنا ممن يفرحون بذكره، ويأنسون بقربه، ويعيشون حياتهم على طاعته،

وأن يبارك لكل عروسين ويجمع بينهما في خير، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاه.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.