بتاريخ ١٩/ ٣/ ١٤٤٣ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين العدل الحكيم الذي كتب على نفسه العدل فلا يظلم أحدًا مثقال ذرة، وجعل قاعدة الجزاء من جنس العمل
آية من آيات حكمته وكمال ملكه، فلا يضيع عنده معروف ولا تغيب عنه خافية، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. والصلاة والسلام
على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي بيّن لنا أن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن من عمل خيرًا وجده ومن عمل شرًا وجده، ليوقن القلب أن رحمة الله وعدله لا يتخلفان أبدًا.
إن من أجمل ما يثبّت قلب المؤمن في الدنيا ويجعله يقف عند أفعاله وكلماته وخطراته أن يعلم يقينًا أن ما يزرعه في قلبه
أو في حياة الناس سيجده أمامه عاجلًا أو آجلًا، في الدنيا أو في الآخرة، قليله وكثيره.
هذه القاعدة العظيمة الجزاء من جنس العمل تظهر للعبد في حياته كل يوم لو فتح عينه وتأمل الأثر.
فمن أعظم دلائلها أن
من عفا عفا الله عنه
ومن ستر مسلمًا ستره الله
ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة
ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة
ومن أقال نادمًا أقال الله عثرته.
تأمل كيف يقابل الله إحسانك بإحسان أعظم منه وأدوم.
ومن تأمل حال العافين عن الناس وجد كيف يبدل الله ضيق قلوبهم بسعة وراحة لا توصف. من يغفر ويصفح ينزع الله من صدره الغل والهم
ويبدله طمأنينة، لأن من عفا فتح الله له بابًا من عفوه جل جلاله. ومن ستر على عبد ستره الله، فيغلق عنه فضائح الدنيا ويختم له بستره يوم العرض الأكبر.
ويدخل في هذه القاعدة أن من تتبع عورات الناس تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف بيته، كم من إنسان كان همه فضائح الخلق
فانكشف ستره من حيث لم يحتسب. ومن خان خانوه، ومن غش غُش، ومن خدع خُدع، لأن الجزاء مطابق للفعل عدلًا لا ظلم فيه أبدًا.
ولو تأملت كيف جاء الجزاء من جنس العمل في قصص الأنبياء لرأيت عجبًا
فهذا يوسف عليه السلام عفّ عن الحرام في خلوته فقابل الله عفته بالتمكين والملك والعز. وهذه امرأة العزيز لمّا أرادت الفتنة
نالت الذل والهوان والفضيحة لأنها فتنت رجلًا طاهرًا فأذلها الله جزاءً وفاقًا.
وقوم بني إسرائيل لمّا احتالوا على أمر الله في صيد السبت مسخهم الله قردة وخنازير عقوبة من جنس عملهم لأنهم شوّهوا حدود الله فشوّه الله هيئتهم ومسخ إنسانيتهم.
ومن يعمل الصالحات خفية يجد ثمرة ذلك نورًا في قلبه وسترًا في دنياه وبركة في رزقه وتيسيرًا في أموره، لأن من أصلح سريرته
أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس.
ولو وقفت مع باب عظيم من الجزاء من جنس العمل لرأيت العجب، وهو أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، يترك شهوة حرامًا
فيرزقه الله حلالًا أطيب منها، يترك مجلس سوء فيبدله الله بصحبة طيبة، يترك مالًا خبيثًا فيبدله الله رزقًا واسعًا مباركًا.
وتأمل حال من يصبر على أذى الناس ولا يرد السيئة بالسيئة، كيف يرفع الله قدره ويحببه إلى خلقه، لأن من كظم غيظه
ولم يغضب لله إلا حيث يجب الغضب له رفعه الله درجات وأدخله في منازل المحسنين.
والجزاء من جنس العمل
حتى في الكلمة التي تخرج من اللسان، من قال كلمة حق أحيى الله بها قلوبًا، فتكتب له حسنات جارية وتفتح له باب أجر لا ينقطع.
ومن قال كلمة كذب أو نميمة أو فتنة ردها الله عليه يوم القيامة بعذاب من جنسها، فيُسأل عن كل كلمة خرجت من فيه.
ومن نشر علمًا أو علّم غيره فتح الله له أبوابًا من الأجر بقدر من انتفع به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله.
وهكذا تجد أن الخير يجرك إلى خير آخر، لأن ثواب الحسنة الحسنة بعدها وثواب السيئة السيئة بعدها إن لم يتداركها بتوبة.
ومن برّ والديه برّه أولاده ومن أحسن إلى والديه أحسن الله إليه، ومن رحم يُرحم، ومن قسى قلبه على أبويه قسى الله عليه القلوب ولو بعد حين
لأن البر عقوبة في الدنيا قبل الآخرة والجزاء يجري في الذرية كما يجري في نفسه.
ومن أمثلة الجزاء العظيمة أن الشهداء لما بذلوا أرواحهم كاملة لله لم يكتب الله لهم موتًا كاملًا
بل قال بل أحياء عند ربهم يرزقون، لأن بذلهم الحياة جزاؤه حياة برزخية كريمة في رضوان الله.
ومن لطيف الجزاء
أن من كان جوادًا كريمًا مع الناس رزقه الله سعة لا تنقطع، لأن الله كريم يحب الكرماء، ومن بخل ضاقت دنياه، وقد قال صلى الله عليه وسلم اليد العليا خير من اليد السفلى.
ومن رحمة الله أن حتى المصائب التي تصيب العبد قد تكون جزاءً من جنس ذنب وقع فيه، لكنها من رحمته كفارة له إذا صبر واحتسب، فيرفع بها درجاته
ويخفف بها أوزاره. فما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى إلا كفر الله به من خطاياه حتى الشوكة يشاكها.
ولو جمعنا النقاط الرئيسية لهذه القاعدة وجدنا أن من أعظم أبوابها أن:
من عفا عفا الله عنه ومن ستر ستره الله ومن رحم يُرحم ومن يسر على الناس يسر الله له ومن ترك شيئًا لله عوضه الله
خيرًا منه ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته ومن جاهد نفسه عن الشهوات الحرام أبدله الله لذة الطاعة ومن رد المظالم
غفر الله له ومن نشر الخير نشر الله له القبول ومن دلّ على هدى فله أجره وأجر من عمل به ومن خان أو غش أو ظلم ابتلاه الله من جنسه
إلا أن يتوب ومن كظم غيظه رفعه الله ومن تحايل على شرع الله ابتلاه الله بمن يحتال عليه ومن آذى الناس رد الله عليه أذاه.
هذه القاعدة لو سكنت القلب لأصلحت حياة العبد كلها، لأنه سيزن كل نية وكلمة ويد وخطوة ويقول في نفسه هذا الذي أفعله سأراه، فما الذي
أرجوه أن يعود إليّ؟ خير أم شر؟ فيختار الخير ويستحي من ربه ويترك الشر ويقول يا رب عاملني بجميل عفوك لا بعدلك، اغفر لي وارحمني واسترني ولا تكلني لنفسي طرفة عين.
فاللهم عاملنا بعفوك وفضلك ولا تعاملنا بعدلك، واغفر لنا ذنوبنا كلها دقها وجلها أولها وآخرها سرها وعلانيتها
وبيض وجوهنا يوم نلقاك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.



