بتاريخ ٢٣/ ٦/ ١٤٤١ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد…
فحديثنا اليوم عن أعظم ما أُمرنا به، وعن الواجب الذي هو أصل الدين ولبّه، عن واجبنا اتجاه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
ذاك الواجب الذي لا حياة للإيمان بدونه، ولا استقامة للقلب إلا به، أن نأخذ الوحي كما أنزل، بغير زيادة ولا تحريف، بغير هوى ولا جدال.
لقد أنزل الله هذا الكتاب نورًا وهدًى ورحمة للعالمين، وجعل في اتباع النبي ﷺ النجاة من الضلال، فقال سبحانه:
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:158].
فما من طريق إلى الله إلا من خلال اتباع الوحيين، كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وما ضلّت أمةٌ إلا حين فرّقت بينهما أو قدمت رأيها على أمر الله ورسوله.
تحريف النصوص والتأويل الباطل
لقد أخبر النبي ﷺ أن من أمته من سيقاتل على تأويل القرآن كما قاتل هو على تنزيله، أي أن الفتنة في آخر الزمان لن تكون بإنكار النصوص، بل بتحريف معانيها وتأويلها على غير مراد الله ورسوله.
قال تعالى عن بني إسرائيل:
﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:75].
فوبخهم على علمهم ثم تحريفهم، ليحذرنا من أن نسلك طريقهم.
ومن رحمة الله بنا أن نبينا ﷺ نبّهنا على الفتنة قبل وقوعها، فقال في الحديث الصحيح:
«ألا يُوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه».
ثم قال:
«ألا وإن ما حرّم رسول الله مثل ما حرّم الله».
فمن زعم أنه يؤمن بالقرآن وحده فقد كذّب القرآن نفسه، لأن الله قال:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر:7].
لقد بيّن الله أن السنة وحيٌ آخر، لا ينطق عنها الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، ولذلك جعل طاعة الرسول طاعة له، فقال:
﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:80].
وهكذا كان السلف الصالح، إذا سمعوا قول النبي ﷺ قالوا: “سمعنا وأطعنا”، لا يجادلون ولا يؤولون.
قال الإمام الشافعي: “كل ما قال رسول الله فهو مما فهمه عن الله، فمن ردّ حديثًا صحيحًا فقد ردّ على الله أمره”.
حين يُحرّف الناس النصوص عن مواضعها، يضيع الحق ويختلط الباطل، وتظهر الفتن، ويُتخذ الدين وسيلة لتبرير الهوى.
إن أخطر ما يصيب الأمة أن تُؤوّل النصوص لخدمة رغباتها، فتسمي المعصية حرية، وتسمّي التنازل تيسيرًا، وتستبدل حدود الله بأذواق الناس.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:26].
فالهوى هو أصل كل انحراف، ومن قدّم رأيه على نصٍّ من كتاب الله أو سنة رسوله، فقد جعل هواه إلهًا يُعبد من دون الله.
قال الله تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:23].
ومن نتائج هذا الانحراف أن تضيع معاني العبودية، ويُترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتُتّبع الشبهات باسم التجديد، فيُطوى العلم، وتُطفأ أنوار الهداية.
وقد حذّرنا النبي ﷺ من هذا الطريق فقال:
«إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جُهالًا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».
فإذا غاب العلماء، تصدّر المتعالمون، وصار كل أحدٍ يفسر النصوص كما يشاء، حتى يُضرب بالوحي عرض الحائط.
وهكذا يُهدم الدين باسم الدين، وتُرفع الشعارات القرآنية على غير مراد الله، كما قال علي رضي الله عنه عن الخوارج: “كلمة حق أُريد بها باطل”.
كيف نفهم النصوص كما أراد الله؟
إن الفهم الصحيح للنصوص لا يكون بالذكاء وحده، ولا بالاطلاع الواسع، بل بـ القلب السليم والنية الصادقة والرجوع إلى منهج السلف الصالح في التفسير.
قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:43].
فجعل سؤال العلماء هو الطريق إلى الفهم السليم، لأنهم ورثة الأنبياء، حملوا الوحي كما نزل، وفهموه كما أراد الله.
القرآن لا يُفهم إلا بالقرآن، والسنة تفسّر القرآن، وما أجمع عليه الصحابة فهو الفهم الصحيح الذي لا يُرد.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: “من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار”.
فالذي يقرأ القرآن بعين هواه لا يرى فيه إلا ما يوافق رغباته، أما الذي يقرأه بعين الإيمان يرى فيه أمر الله ونهيه ووعده ووعيده، فيخضع له قلبه قبل عقله.
وإن أخطر ما يبتلى به طالب العلم أن يتكلم في دين الله بغير علم، أو أن يجعل النصوص تابعة لفهمه، لا أن يجعل فهمه تابعًا لها.
لذلك قال الشافعي رحمه الله: “آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله”.
القواعد التي تُعين على الفهم الصحيح
من أراد الفهم الحق لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فليجعل قلبه خاشعًا متجردًا من الهوى، وليتعلم العلم من أهله، وليسلّم للوحي تسليمًا لا يعترضه شك ولا جدال.
قال تعالى:
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ، وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].
هذه الآية تختصر منهج الفهم كله؛ فليس الإيمان كلمة تُقال، بل هو تسليم مطلق لله ولرسوله.
ومن القواعد الكبرى في فهم النصوص: أن نجمع النصوص في الباب الواحد، فلا نأخذ بعضها ونترك بعضها، لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، والسنة تشرح القرآن وتبيّنه.
ومن القواعد أيضًا: أن نفهم النصوص بفهم الصحابة رضي الله عنهم، فهم من شهد التنزيل، وعايش الوحي، وتربّوا على يد النبي ﷺ، فكانوا أعلم الناس بمراد الله ورسوله.
وكذلك أن نردّ المتشابه إلى المحكم، فما اشتبه معناه نرده إلى ما وضح بيانه، فلا نُقيم عقيدة ولا حكمًا على آية مجتزأة أو حديث مبتور.
وأيضًا أن نوقن بأن النصوص لا تتعارض، لأن مصدرها واحد، فإن بدا لنا التعارض فهو من قصور علمنا لا من نقص النصوص، قال تعالى:
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء:82].
واجبنا العملي تجاه كتاب الله وسنة نبيه ﷺ
واجبنا أن نتعامل مع الوحيين بخشوع وتعظيم، لا بمجرد الحفظ والتلاوة.
فالقرآن لم يُنزّل ليُعلّق في الصدور أو ليُتغنّى به في المناسبات، بل ليُعمل به في السر والعلن، قال تعالى:
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].
فالتدبر عمل القلب، والتطبيق ثمرة الإيمان.
وكذلك سنة النبي ﷺ، هي المفسّرة للقرآن والمبينة له، لا غنى لأحد عنها.
ومن أعظم الواجبات أن نُحكّمها في حياتنا، في أحكامنا وأخلاقنا، في بيوتنا ومعاملاتنا، أن نجعلها ميزاننا في كل أمر.
واجبنا أيضًا أن نُعلّم الناس الوحي كما أنزل، بلا تحريف ولا تهاون، وأن نذبّ عنه إذا حورب أو شُوّه، وأن نكون قدوة في تطبيقه قبل أن نكون دعاة بألسنتنا.
ومن الوفاء للوحي أن نحكمه على واقعنا، لا أن نحكم الواقع عليه، وأن نُظهر للناس جمال الشريعة بعدلها ورحمتها ووسطيتها.
الخاتمة
إن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هما نوران لا يَضلّ من تمسّك بهما، وهما الحبل المتين الذي من تمسك به نجا.
فمن أراد الله به خيرًا فقهه في الدين، وفهمه عن الله مراده، وأورثه يقينًا لا يتزعزع عند الفتن.
فلنُراجع علاقتنا بالوحي، ولنكن من أهله، كما قال النبي ﷺ:
«إن لله أهلين من الناس، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته».
اللهم اجعلنا من أهل القرآن، ومن المتبعين لسنة خير الأنام،
وارزقنا فهمًا عنك يرضيك، وعملاً يقربنا إليك،
اللهم اجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين،
واختم بالصالحات أعمالنا، وبالسعادة آجالنا،
وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.



