بتاريخ ٩/ ٦/ ١٤٤٤ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
❖ مقدمة
إن كلمة لا إله إلا الله ليست مجرد لفظٍ يُقال باللسان، بل هي أعظم كلمة قالها الخلق، ميزانُ التوحيد ومعيار الإيمان، بها قامت السماوات والأرض، ولأجلها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب،
ومن أجلها جُرّدت السيوف وخاضت الأمم معارك الحق والباطل.
هي الكلمة التي تَجعل العبدَ حرًا من عبودية الخلق إلى عبودية الخالق،
تُخرج الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور اليقين، ومن التعلق بالمخلوق إلى التوكل على الخالق.
لكنها ليست دعوى تُقال باللسان فقط، بل لها حقوقٌ تُحفظ وقيودٌ تُراعى وشروطٌ تُستوفى.
فمن قالها بصدق، وحقق معناها، عاش مطمئنًّا بولاية الله، ومن قالها بلسانه وخالفها بعمله، كان من الناقضين لها.
وقد بيّن العلماء أن من نواقض الإسلام ما يهدم أصل التوحيد، فيخرج صاحبه من دائرة الإيمان إلى الكفر إن لم يتب، نسأل الله السلامة والثبات.
❖ معنى النواقض وخطرها
النواقض هي الأمور التي تنقض أصل الإيمان، وتبطل قول لا إله إلا الله. فهي ليست ذنوبًا عادية ولا معاصي صغيرة، بل أمورٌ تُبطل الدين من أساسه.
ومعرفتها واجبة على كل مسلم ومسلمة حتى لا يقع فيها بجهلٍ أو غفلة.
قال الله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ}.
فالمسلم لا بد أن يجمع بين الإيمان بالله والبراءة من الكفر والطاغوت، فمن أحب الكفر أو دافع عن أهله، أو سوّى بين دين الله وغيره، فقد نقض توحيده، لأن الولاء لله ولرسوله ولدينه شرطٌ من شروط لا إله إلا الله.
❖ الناقض الأول: الشرك بالله
وهو أعظم النواقض، وأخطرها على الإطلاق، أن يصرف الإنسان عبادةً من العبادات لغير الله كالدعاء، أو الذبح، أو النذر، أو الاستغاثة، أو الخوف، أو الرجاء فيما لا يقدر عليه إلا الله.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}.
ومن أعظم صور الشرك المنتشرة في الأمم السابقة واللاحقة دعاء الأموات والغائبين، أو التوسل بهم على وجهٍ يخرِج من التوحيد، أو طلب النفع والضر منهم.
وقد كان المشركون في الجاهلية يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، لكنهم عبدوا معه غيره بحجة التقرب والشفاعة، فأنكر الله عليهم ذلك، فقال: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ}.
فمن صرف نوعًا من العبادة لغير الله فقد نقض قوله لا إله إلا الله مهما كان اسمه أو نسبه أو عمله، ولو صلى وصام، لأن الله لا يقبل عملاً خالطه شرك.
❖ الناقض الثاني: اتخاذ الوسائط بين العبد وربه
وهذا من صور الشرك أيضًا، حين يجعل الإنسان بينه وبين الله وسطاء يدعوهم ويطلب منهم الشفاعة، أو يتقرب إليهم رجاء القرب من الله.
قال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}، أي لا يُقبل إلا إذا كان خالصًا له سبحانه لا يشوبه رياءٌ ولا توسّط مخلوقٍ في العبادة.
وهذه الفكرة الباطلة كانت سبب ضلال الأمم السابقة حين زين لهم الشيطان عبادة الصالحين بعد موتهم، حتى صارت تماثيلهم تُعبد من دون الله.
والله جل وعلا أقرب إلى عبده من حبل الوريد، لا يحتاج إلى وسيطٍ ولا شفيعٍ إلا بإذنه، كما قال سبحانه: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ}.
❖ الناقض الثالث: من لم يُكفّر المشركين أو شكّ في كفرهم أو صحّح مذهبهم
وهذا من أعظم النواقض، لأن من لم يُكفّر من كفّره الله فقد شكّ في دين الله.
قال الله تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ}.
فمن زعم أن أديان الكفار حقّ، أو أن اليهود والنصارى على هدى، أو أن كل الأديان تُوصِل إلى الله، فقد كذّب القرآن ونقض أصل التوحيد.
ولا يعني ذلك الغلظة أو الظلم، بل هو بيانٌ للحق الذي جاء به الوحي. فالدين واحد، كما قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ}، وما عداه باطل.
❖ الناقض الرابع: من اعتقد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه
فمن رأى أن الأنظمة البشرية أو القوانين الوضعية أعدل من شريعة الله، أو ساوى بينها وبين حكم الله، فقد جعل نفسه ندًّا لله في التشريع، وهذا شرك أكبر.
قال الله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
وحكم الله هو العدل المطلق، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فالإعراض عنه، أو تفضيل غيره عليه، إبطال لمعنى الشهادة بأن محمداً رسول الله، لأن مقتضاها التحاكم إلى شرعه والرضا بحكمه.
❖ الناقض الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به
فمن وجد في قلبه كراهيةً لأحكام الله أو لأوامره أو لشرعه فقد خالف الإيمان.
قال الله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}.
فالمؤمن الصادق قد يضعف عن العمل أو يقصّر، لكنه لا يكره حكم الله، بل يندم ويتوب ويطلب العون على الطاعة. أما من كره ما أنزل الله أو استثقل شرعه، فذلك نفاقٌ يخرج صاحبه من دائرة الإيمان.
❖ الناقض السادس: الاستهزاء بشيء من دين الله أو ثوابه أو عقابه
قال الله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}.
فالاستهزاء بالدين، أو بأوامره، أو بأهله، من أخطر ما يكون؛ لأنه امتهانٌ لما عظّمه الله، وجرأةٌ على مقام الربوبية.
وقد يقع بعض الناس في هذا الباب عبر المزاح أو التقليد أو التعليقات دون شعور بخطرها. فالمؤمن يوقّر شعائر الله، ويعلم أن الاستهزاء بها كفرٌ صريح.
❖ الناقض السابع: السحر والكهانة والعرافة
قال الله تعالى: {وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}.
فالسحر من أعظم ما يُفسد العقيدة، لأنه يقوم على الاستعانة بالشياطين ومخالفة أمر الله. ومن تعلم السحر أو علّمه أو صدّق الكهان والعرافين فقد أفسد توحيده وعرّض نفسه لعقوبة الله.
قال النبي ﷺ: «من أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة».
فما بالك بمن صدّقه واعتقد قوله؟
❖ الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين
وهو من النواقض العملية التي تُظهر الولاء لغير الله ورسوله، قال الله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}.
فمن ناصر الكفار على المؤمنين، أو رضي بفعلهم، أو دافع عنهم في حربهم على الإسلام، فقد انتقض إيمانه، لأن الولاء والبراء من أوثق عُرى الإيمان.
❖ الناقض التاسع: اعتقاد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ
كما زعمت غلاة الصوفية أو دعاة وحدة الأديان، بأن للخواص طريقًا إلى الله غير طريق النبي ﷺ.
قال الله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ}.
فشريعة الإسلام خاتمة الشرائع، والرسول ﷺ خاتم الأنبياء، لا طريق إلى الله إلا باتباعه.
❖ الناقض العاشر: الإعراض عن دين الله
قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا}.
فالإعراض عن تعلم الدين، أو عن العمل به، أو عن التحاكم إليه، ناقضٌ من نواقض الإيمان. ومن أعرض عن ذكر الله طوعًا واستهانةً فقد خسر نفسه في الدنيا والآخرة.
إن معرفة هذه النواقض تحفظ الإيمان وتثبّت القلب على التوحيد، وتورث المؤمن خوفًا من الوقوع في ما يُبطل عمله.
لا إله إلا الله ليست كلمةً تُقال دون علمٍ وعمل، بل عهدٌ يُعقد بين العبد وربه، وميثاقٌ يقتضي صدق الانقياد، وإخلاص الوجه لله وحده.
فاللهم ثبّتنا على التوحيد حتى نلقاك، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.


