منذ ١٤٣٧ هـ

.

.

نشأنا وكانت فلسطين القضية الكبرى والأهم في قائمة قضايانا العربية 

كان الريال الفلسطيني يزاحمنا في مصروفنا المدرسي نقتطعه بكل شعور الفداء.. فداك أرواحنا قبل أموالنا 

كانت حفلاتنا المدرسية و إذاعاتنا الصباحية لايمكن أن تخلو من نشيد عن فلسطين أو قصيدة

لازلت أذكر في سنة ١٩٩٠ حينما وقفنا نستمع لزميلتي رشا الفلسطينية تنشد:

” أناديكم أشد على أياديكم” ودموعها تتحدر من عينيها ونحن معها، كانت الكلمات مؤثرة وكان الجرح طريا 

يحدثني أخوتي أن أمي جعل الله الفردوس مأواها انهارت ونُقلت للمستشفى

حين نقلت الشاشات مجزرة صبرا وشاتيلا حيث قال الطبيب أن كثير من حالات الإغماء والانهيار وصلت للمستشفى في ذلك اليوم ..

كان المجتمع يتنفس فلسطين

ولم تكن تزاحم فلسطين أي قضية أخرى كانت القضية واضحة كالشمس

فلسطين أرضنا العربية احتلها اليهود ودنسوا المسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين وحاولوا إحراقه 

كانت الأخبار اليومية التي نتابعها تبدأ جميعها بفلسطين .. أخبار المقاومة وأطفال الحجارة ..

لا أشك أن بيتا في الثمانينات والتسعينات كان يخلو من كتاب

“المقاومة الفلسطينية مسيرة مصورة”

كتاب كبير كل مافيه صور المقاومة وصور الشهداء وصور أطفال الحجارة كان هذا الكتاب نتصفحه دائما كلما اشتقنا لفلسطين و راودنا حلم الصلاة في الأقصى. 

كانت هناك الكثير من الأسئلة التي أعيتنا ولم نفهم لها جوابًا ..

كيف احتل اليهود فلسطين في وسط محيط من الدول العربية الكبرى ؟

كيف استطاع اليهود وهم قلة أن ينتصروا على ستة جيوش عربية ؟

كيف سكت العرب والمسلمون ؟

كيف رضوا بالمفاوضات .. يفاوضون المحتل !!

من الذي خان؟ ومن الذي باع ؟

ومن الذي قاوم ! 

كنا نحاول أن نروي الظمأ بكثير من كتب ذكريات الضباط والقادة الذين دونوا تلك الفترة ..

حتى أفلام الأبيض الأسود التي أشارت إلى وجود الخيانات و تزييف إذاعة صوت العرب لحقائق ذلك الوقت وبثها لأغاني أم كلثوم انتصرنا

والجنود ينهزمون في الميدان لم تفلح في تكوين الصورة الحقيقية لما حصل ! وكيف حصل ! 

وظل السؤال حاضرا .. كيف لا نستطيع أن نرجع فلسطين ؟  

نشأنا، وفي هويتنا شرخ كبير نسمع أنين الأقصى وتحرقنا نداءاته ثم لا نستطيع له الغوث ولا النجدة ! 

بدأت الأزمات تتصاعد ابتداء من حرب البوسنة والهرسك مرورا بغزو الكويت وحرب الخليج وعاصفة الصحراء وأحداث ١١ سبتمبر

وغزو أفغانستان وانتهاء بثورات الربيع العربي والتي لازالت رياحها تتقلب وأمواجها تموج لم يثبت حال ولم تتضح صورة

كانت الأحداث تأخذ من مشاعرنا وهمومنا حيزا كبيرا ..

كنت في الثانوية حين حدثت مجزرة السوق و مجزرة سربرينتشا في البوسنة لم نستطع النوم حينها وبكينا كثيرا على من يُقتلون فقط لأنهم مسلمون ..

لا أذكر أني سمعت قتلا على أساس الدين قبلها كان الموضوع صادما أن يحصل هذا في الغرب المتحضر..  في وسط أوروبا ! 

وبدأت بعدها الصدمات تزداد يوما بعد يوم والأسئلة تتضخم أكثر فأكثر وهويتنا العربية والإسلامية أصبحت على كف عفريت لا هي التي تقدمت ولا هي التي ثبتت

من نحن ؟

وإلى أين نسير ؟

من يقرر ؟

وماذا يحصل ؟ 

دارت كونداليزا رايس في المنطقة وبشرت بالفوضى الخلاقة !

فهل ما نعيشه هو ما بشرت به أم ما يحدث هو خارج تدبير البشر !! 

كل هذا لم يكن ليكون مُهمًا لو بقي القلب العربي المسلم “عربيًا مسلمًا” .. أن نخسر الأرض .. المال .. التاريخ يمكن أن يتعوض كله وأن يعود .. أما أن نخسر الإنسان !

أن نخسر قلبك المسلم وشهامتك العربية فذلك الذي لا يمكن أن يعوّض ! 

كنت أظن أنني بدأت أتعود على الصدمات فإذا الحرب الأخيرة على غزة

“حرب اليهود على الجزء الأخير المتبقي من فلسطين”  

تصدمني خارج حدود التفكير .. 

ماكنت أظن أني سأعيش لأرى عربيًا مسلمًا يقف في صف جيش اليهود المحتلين ضد إخوانه في الدين واللغة والأرض مدنيين عزل يخوّنهم ..

يدعو عليهم ويتمنى انتصار الصهاينة عليهم !

وإن كان مثقفًا إنسانًا ادّعى أنه على الحياد لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ..

ماكنت أظن أني سأعيش لأسمع هذا الصوت العربي الغريب يصفق له فئام من الناس

تمجيدًا خاليًا من أي عذر أو منطق سوى التشفي والهوى

وتصفية الحسابات وبغض الدين وكل مايمت له بصلة ..

حتى لو كانت الصلة أطفال أبرياء أو مدنيين عُزّل يقصفهم اليهود بدم بارد وحلف عربي يعلن عنه بهذا الوضوح لأول مرة ! 

الضباب يخيم بشدة على المشهد فلا تكاد تعرف مالذي يحصل ..

كيف نجح الإعلام في صياغة عقولنا العربية المسلمة لتكون متصهينة أكثر من المتصهينين أنفسهم

اليهود يجوبون العالم في مظاهرات ضد العدوان على غزة وضد الدولة الصهيونية و مثقفينا العرب

يقفون في صف الصهاينة يقولون اضرب نتنياهو سلمت يمينك ! 

أي انتكاس في المفاهيم يحصل !

الغربي “الكافر” يفزع بمظاهرات ويتداعى لمقاطعة المنتجات الاسرائيلية وتفصل وزيرة تلو أخرى في برلمانات أوروبية وصحفيون آخرون

بسبب تغريدات متعاطفة مع غزة .. والعرب ينظرون شزرا لمن يتعاطف مع إخوانه في الدين واللغة والأرض على أنه خائن أو مؤدلج !!

وأن كل المحاولات والحملات الشعبية للضغط من خلال المقاطعة وغيرها هي حملات طفولية هشة لاتقدم ولا تؤخر !

وينسى أنها تقدم شيئا مهما جدا ..

هو لملمة بقايا العار عن وجوهنا !  

الإعلام الذي يشكل رأس الحربة في المشهد اليوم لا تشكله القنوات الفضائية الإخبارية فقط

وإنما حتى مواقع التواصل الاجتماعي حيث الخبر يأتيك طازجًا ومن مطبخ الحدث نفسه ..

الأشخاص الذين تتابعهم يشكلون قناعاتك على المدى الطويل ولأن الغالب أن أي أحد يتابع أي أحد ..

وهذا الأي أحد يتكلم في أي شيء ويزعم أي شيء ..

تجد أن عقلك في النهاية محاصر بكم هائل من المعلومات المتسارعة التي لا تتوقف ولا تعطيك فرصة للتمييز أو الفلترة أو حتى التثبت ! 

 وبعض الناس يعيش على قاعدة

اكذب اكذب اكذب اكذب حتى يصدقك الناس

وبالفعل تجد من الناس من يصدق أن هذا الأبيض هو أسود داكن من استمرار آلة الكذب في الكذب المستمر ! 

كل الأحاديث النبوية كانت تشير إلى شيء من هذا .. لكن كنت أظن أن بيننا وبينه سنين ضوئية !

وأنه في عصر الحصول على المعلومة كيف يمكن تغييب عقول الناس!  

لكن وجدت أن ذلك ممكنًا جدًا في ظل  قلب الحدث نفسه رأسًا على عقب وكل فريق يأتي بالأدلة والبراهين ..

وعليك أنت أن تتعب نفسك لتعرف من الصادق ومن الكاذب وأين الحقيقة !

هذا إن أسعفك الوقت لتفعل ذلك !  

قال صلى الله عليه وسلم : تأتي على النَّاسِ سَنواتٌ خدَّاعاتٌ  يُصدَّقُ فيها الكاذبُ، ويُكَذَّبُ فيها الصَّادقُ، ويؤتَمنُ فيها الخائنُ ويخوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ الرُّوَيْبضة قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ وما الرُّوَيْبضةُ ؟ قالَ: الرَّجلُ التَّافِهُ يتَكَلَّمُ في أمرِ العامَّةِ”

رواه الحاكم في المستدرك

هذا الكذب والتزييف وقلب الحقائق سيعمل عمله ويترك بصماته على الجيل القادم سلبًا وإيجابًا ..

ورغم أن الأحداث تبدو في الظاهر كأنها تلد نفسها .. إلا أننا نؤمن عقيدة أن الله يسوقها سوقًا إلى ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم: 

“قال صلى الله عليه وسلم: لا تقومُ الساعةُ حتى يقاتلَ المسلمون اليهودَ فيقتلُهم المسلمونَ حتى يختبئَ اليهودُ من وراءِ الحجرِ والشجرِ فيقولُ الحجرُ أو الشجرُ يا مسلمُ ! يا عبدَ اللهِ ! هذا يهوديٌّ خلفي فتعالَ فاقتلْه إلا الغرْقَدُ فإنه من شجرِ اليهودِ

صحيح مسلم

هذا النصر نؤمن يقينًا أن لايمكن أن يحصل بأيدي جبانة ملطخة بالخيانة

وإنما جزمًا سيكون نصرًا بأيدي جيل لم يقتنع بتزييف الحقائق ولم ينفع معه مكر الليل والنهار الذي أحُيط به ..

جيل تعلم من دروس الحياة أنه بلا دين ..يصبح لاشيء !

وحين يراهن الجميع أن لافائدة من الجيل القادم وأنهم جيل هش سطحي غارق في الترفيه والتفاهة ..

لا يشد عودًا ولا يحمل ثقلًا متهرب من المسؤولية قابع في عوالمه الافتراضية ..

يأبى الله إلا أن يخرج من بينهم من يقود الأمة إلى سناها ويخرجها من وحلها ..

ويُنشّأهم سبحانه على عينه كما نشّأ موسى في قصر فرعون

( ولتصنع على عيني ) !

ومن رحم الظلام يولد الفجر ..

إلا أنه لا نصر دون ثمن ..

وانتظار المعجزات تمطر من السماء ليس من شريعتنا .. 

وولادة هذا الجيل تحتاج إلى استنفار من جيل الشباب أنفسهم قبل غيرهم

فابحث أيها الشاب عن الحقيقة

تمسك بمنهاج النبوة وأسس نفسك عقديا و فكريا، طور نفسك وتميز علميًا اكتف ماديًا وتقوَّ جسديًا

تذكّر دومَا أنّ المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير .. 

احتسب و اعتز بهويتك !

أصحاب الخبرات والذين شابت رؤوسهم في الإسلام كثر حولك أتعب نفسك واقتطع من وقتك واسألهم وناقشهم وتعلّم .. 

لاتكّون صور مشوهة عن أناس لم تسمع عنهم إلا خيرًا.

اهتمامنا بفلسطين في الثمانينات يبدو رومانسيًا بعد أن شاء الله أن نعيش في عصر يموج بالأحداث موجًا وكل مجزرة تهون من التي قبلها ..  نصبح على جرح ونمسي على آخر .. وليس المهم هنا الانشغال بمتابعة الأحداث وتصنيف الناس وتقييم التيارات 

بل المهم

أن تغتنم أنت وقتك وفتات الأوقات حولك .. أن تكون أنت رقمًا مهما يُجمع مع ماحوله فيزداد وإذا نقص انتقص .. لا ترضَ أبدًا أن تكون صفرًا .. فلم يغرق الأمة إلا الأصفار ! 

( عليكم بكتاب الله وسنتي )

اسمع هذه الجملة مِن في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوصيك بها ..

 احفظها وانقشها في قلبك كلما صالت عليك نار الشبهات واختلفت الآراء .. ستجد أن أنوار الوحي تنتشلك ..

ومن يصدق الله يصدقه ! 


هند القحطاني

6 تعليقات
  1. Glynccype says:

    Soft or hardwoods, devoid of bark, are chopped, shredded, or shaved, and then heated at temperatures up to 1200 F to reduce the bacterial and moisture content before packaging viagra before and after photos reddit The reasoning behind this practice is this whichever virus the bird is exposed to first be it the vaccine or the field virus, this is the one that takes control and the one that the bird will develop a lifelong immunity for

  2. Krystal Duraku says:

    You could definitely see your enthusiasm within the paintings you write. The world hopes for even more passionate writers such as you who aren’t afraid to mention how they believe. All the time follow your heart. “The most profound joy has more of gravity than of gaiety in it.” by Michel de Montaigne.

  3. عهود says:

    السلام عليكم
    جزاك الله خيراً هذا الاعتقاد الذي نؤمن به تجاه قضيتنا الفلسطينية بعد ما رأينا مؤخراً على وسائل التواصل من بعض بني جلدتنا ما تشمئز منه النفوس وتقشعر الأبدان من التعاطف مع العدو والوقوف ضد المظلوم صاحب الأرض
    أتسائل كيف أصبح الظالم مظلوماً ويدعى لهم بالنصر
    اسأل الله أن يبرم للأمة أمراً رشداً

التعليقات مغلقة