بتاريخ ١/ ١/ ١٤٤٣ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الغفور الرحيم الذي فتح لنا أبواب الرحمة ومدّ لنا حبال المغفرة، فلم يجعل بينه وبين عباده بابًا مغلقًا
ولا حجابًا مستحيلًا، بل قال لعباده مهما أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمتي، إني أغفر الذنوب جميعًا لمن تاب وصدق واستقام.
والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي لم يترك خيرًا إلا دلنا عليه ولا شرًا إلا حذّرنا منه، وكان دائمًا يذكّرنا أن الله أرحم بنا من أمهاتنا، وأن من أقبل إليه غافرًا مستغفرًا وجد ربًا كريمًا يقبله ولا يرده خائبًا أبدًا.
ما من قلب مؤمن صادق إلا وتؤلمه ذنوبه إذا ذكرها ويقلقه كيف يمحوها، كيف يغسل صحيفة عمله ويقابل ربه وهو خفيف
ليس عليه حمل ثقيل ولا ذنوب تحبسه عن رضوان الله. ومن رحمة الله بنا أن دلّنا في كتابه وسنة نبيه على طرق كثيرة سهلة واضحة نمحو بها ذنوبنا ونبدّل بها سيئاتنا حسنات، وما ذلك على الله بعزيز.
وأول باب وأعظمه وأشرفه هو
التوبة الصادقة
التوبة التي تخرج من القلب لا من اللسان فقط، توبة يرافقها ندم وحياء وخوف من الله وعزم ألا يعود العبد إلى ذنبه أبدًا
توبة تفتح بين العبد وربه طريقًا من الرجاء لا ينقطع. قال الله تعالى إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا
فأولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا، وتأمل هذه النعمة العظيمة ليس فقط يمحو الله ذنبك بل يبدله حسنات، فقط لأنك تبت وندمت وأصلحت.
ثم من
طرق محو الذنوب كثرة الاستغفار
وهو مفتاح الفرج وممحاة الأوزار. كم مرة ينسى الإنسان نفسه ويغفل ثم يوقظه الله
بضيقة صدر أو بآية يسمعها أو بموعظة تطرق أذنه ليقول ربي اغفر لي. وكان النبي صلى الله عليه وسلم
يستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة مع أنه مغفور له فكيف بنا نحن؟ طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا لأنه دليل حياة القلب وخوفه من الله.
ثم من أبواب محو الذنوب
الصلاة
الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه خمس مرات في اليوم والليلة يمحو الله بها ما بينهما من الزلات، فمن حافظ على صلاته
وحسن وضوءه وسجد بقلبه قبل جسده وجدها كالنهر الجاري الذي يغسل الأوساخ فلا يبقى درن. وفي الحديث
أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا لا يا رسول الله قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا.
ولا تنس الوضوء الذي يغسل به الله الذنوب مع قطرات الماء، فمن توضأ فأسبغ الوضوء خرجت خطاياه من جسده
حتى من تحت أظافره، وهذا عمل يسير لكنه إذا نوى العبد به التكفير غفر الله له وأرضاه.
ثم تأمل فضل الصدقة
فإنها من أعظم أبواب مغفرة الذنب وتكفير السيئات ورفع الدرجات، الصدقة ولو بشق تمرة تطفئ غضب الرب
وتطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار، وأفضلها ما كان خفيًا لا يعلم به أحد إلا الله، فما أحوجنا أن نخبئ لأنفسنا صدقات سريرة نلقى الله بها يوم لا ينفع مال ولا بنون.
ومن أبواب محو الذنوب بر الوالدين وصلة الرحم، فما من عبد يبر والديه إلا باركه الله وأزال عنه ما أثقل قلبه من أوزار ولو علم العبد
كيف ترفع درجاته بدعوة من أمه أو أب يهز رأسه له رضا لما فرّط لحظة في البر.
وكذلك من أعظم ما يحط الخطايا حسن الخلق
أن تعامل الناس بخلق لين ولسان طيب وصدر واسع وكظم للغيظ وصفح عن المسيء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من شيء
أثقل في ميزان العبد من حسن الخلق. وما جمع الله لعبد بين الرفق والخلق الحسن إلا غفر له وأكرمه ورفعه.
ولا ينسى العبد أن المصائب والابتلاءات التي تصيبه هي من أعظم ما يمحو الله به ذنوبه، فما من هم ولا مرض ولا فقد ولا ضيق إلا ويغسل به الله الذنب
إذا صبر العبد واحتسب أجره. في الحديث ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه.
ومن الأبواب العظيمة التي يغفر الله بها الذنوب كثرة الذكر، تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير، خاصة عقب الصلوات، فإنها تحط الخطايا
وتزيد الحسنات وتلين القلب. وقراءة القرآن نور للقلب وتطهير للصحيفة وهو شفيع لصاحبه يوم القيامة.
ومن أهم ما يجب على من أراد محو ذنوبه أن يرد الحقوق ويترك المظالم فلا ذنب أثقل من ظلم العباد وأخذ حقوقهم، فالمظلوم لا ينسى والمظالم
تحبس صاحبها يوم القيامة إلا أن يعفو أو يرد الحق، فمن قدر أن يعيد المظلمة فليفعل ومن عجز فليطلب العفو ويكثِر من الحسنات.
واعلم أن الله يحب من عبده عملًا خفيًا لا يطلع عليه أحد غيره، عملًا صادقًا بينه وبين الله وحده، سجدة في ظلمة الليل
دمعة خوفًا من الله، صدقة لا يعلم بها بشر، دعاء في ظهر الغيب، إصلاح سرٍ بين متخاصمين، كلها عند الله عظيمة تمحو ذنبًا وتفتح بابًا من أبواب الرحمة.
ولعل من أعظم الأعمال التي تمحو الذنوب أن يكثر العبد من قول لا إله إلا الله مخلصًا بها قلبه، فهي أعظم كلمة في الوجود وأثقل كلمة في الميزان وأصدق كلمة بين العبد وربه.
يا من أثقلتك ذنوبك تذكّر دائمًا أن الله أرحم بك من نفسك وأنه يحبك إذا أقبلت عليه مهما تكررت خطيئتك، فقط لا تترك بابه
ولا تمل من التوبة ولا تستهين بدعوة في جوف الليل أو دمعة على وسادتك أو آية تقرأها بقلبك.
اللهم اغسل قلوبنا من الذنوب وامحِ صحائفنا من الخطايا واسترنا في الدنيا والآخرة وبلغنا برحمتك جناتك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.



