بتاريخ ١٧/ ٤/ ١٤٤٣ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل
فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:
فإن من تأمل في حال زماننا علم أن الواقع الذي نعيشه فرض علينا نوعًا من الحياة لم يكن معهودًا من قبل، فقد صار الإنسان في يومه بل في ساعته
يتعرض لآلاف المعلومات والرسائل، ما سهل عليه العلم والمعرفة من جانب، وفتح عليه
من جانب آخر أبوابًا واسعة لشهوات وشرور وشبهات لا تنقطع، فما فتئ أهلها يلقون بها في كل حين عبر القنوات والشاشات والهواتف.
تأمل عدد القنوات التي أعدت للطفل فقط، بلغت مئات القنوات، فضلًا عن المنصات الإلكترونية المفتوحة التي تدخل على بيوت الناس دون استئذان، وفيها من
المضامين المسمومة ما يفتن القلوب ويُفسد العقائد ويضعف الإيمان، بل صار التلميذ في تعليمه اليومي لا بد أن يكون متصلًا بهذا الفضاء المفتوح، فإذا لم يكن
في نفسه ضابط من رقابة داخلية فإنه معرض لكل فتنة.
لهذا كان لا بد من بناء هذا الصوت الداخلي في النفس، الضمير الحي الذي يردع صاحبه إذا خلا، ويرفعه إذا ضعف، وهو ثمرة الإيمان
بأن الله مطلع يعلم السر وأخفى، يعلم ما توسوس به النفوس قبل أن يُنطق به اللسان، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
إن كثيرًا من الناس إذا غاب الرقيب من البشر استسهل الذنب، نسي أو تناسى أن الله عز وجل لا يغيب عنه شيء.
حدث في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلًا أسلم حين علم يقينًا أن الله أخبر رسوله بما دار بينه وبين صاحبه في السر، لم يشهد حديثهما أحد، ولم يسمعه بشر
ومع ذلك أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بتمام ما جرى بينهما، فعلم أنه لا مفر من رب عليم.
ومن أخبار الرقابة ما روي عن ابنة بائعة اللبن حين قالت لها أمها: امذقي اللبن بالماء، فقالت:
إن عمر نهى عن ذلك، فقالت الأم: إنك في موضع لا يراك فيه عمر ولا مناديه، فقالت: يا أماه إن كان عمر لا يرانا فأين الله؟ والله ما كنت لأطيعه علانية ثم أعصيه سرًّا.
ومن أخبارهم أن رجلًا راود امرأة أعرابية في البرية، فذكّرها ألا أحد يراهما إلا الكواكب، فقالت: إن كانت الكواكب ترانا فأين مكوكبها؟
ولقد عرفت الأمة نماذج عظيمة في مراقبة الله، فهذا مبارك غلام صالح حفظ بستان سيده ولم يذق منه عنبة قط
رغم خدمته فيه سنين، فسأله سيده ألا تعرف حلوه من حامضه؟ قال:
إنما أمرت بحفظه لا بأكله.
ثم زوّجه ابنته فكان من نسله عبد الله بن المبارك العالم العابد المجاهد.
وكفى بالرقابة شرفًا أن الله جعل الملائكة شهودًا على العباد، لا يفارقونهم، يحفظون أعمالهم ويكتبون أقوالهم:
قال الله عز وجل “إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ () مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ” (ق: ١٦-١٧)
ويُكتب كل شيء في كتاب يوضع يوم القيامة لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وتشهد الأرض التي مشى عليها الإنسان بما عُمل عليها، وتشهد جوارحه عليه
والشاهد الأخير هي جوارحك أنت
.قال الله عز وجل (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يس : 65)
ويقول الله عز وجل
(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20)
وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21)) (فصلت)
كيف ذلك؟ كنا واحد، كيف يدك تشهد عليك؟ كيف رجلك؟ و الموقف مؤلم. تخيل طوال حياتك تعمل لإسعاد هذا الجسد، نعم تعريت، وذهبت إلى هنا وهناك لمتعة هذا الجسد،
فإذا هذا الجسد هو الذي يشهد عليك، فينطق الفخذ وتنطق القدم وتنطق اليد.
فيقولون هم (قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (21)
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم حال السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم من دعته امرأة
ذات منصب وجمال فقال:
إني أخاف الله، ومنهم من ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه. وكان ابن مسعود يقول:
إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه تحت جبل يخشى أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا.
وكان عمر بن الخطاب يقول:
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.
ولما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال:
أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
في الحديث إشارة إلى أن المؤمن لا بد أن يكون قلبه معلقًا بمراقبة الله في كل حال، فلا يقدم على قول أو عمل إلا نظر:
أهو لله أم لغيره؟ وكان بعض السلف يقول: رحم الله عبدًا وقف عند همّه، فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر.
وقد قال الإمام أحمد:
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب، ولا تحسبنّ الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب.
فاتقوا الله في السر والعلانية، وراقبوا ربكم الذي لا تخفى عليه خافية، واذكروا أن أعظم ما يثبت القلب أمام الفتن
أن تعلم أن الله معك يسمعك ويراك، وأنه سبحانه هو الستير الستار لمن تاب وأناب. نسأل الله أن يستر عيوبنا، ويغفر ذنوبنا، ويجعلنا من عباده المراقبين الصادقين.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.



