بتاريخ ١٥/ ١٠/ ١٤٤٣ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
مضى رمضان سريعاً، وقد تسابق فيه المتسابقون، وتنافس المتنافسون، وكلٌ منهم عمل بما يستطيعه ويطيقه.
ثم انتهى هذا الشهر، هذه الأيام القلائل المعدودات، كما تنتهي كل مرحلة من مراحل حياتنا. هناك من يظن أنه شهر وانقضى ككل الشهور، فكأن كل مجرياته
من قيام وصيام وبكاء وختم قرآن هي صفحة تطوى من أول دخول العيد. ولكن رمضان ليس النهاية، بل هو البداية، بدايةٌ لقلوبٍ وُلدت لتوها، ولقرارات ما كانت لتكون في غيره.
هو بداية ما يستقبل من عمرك، وهو سر سكينة الأرواح وطمأنتها العجيبة في الشهر الفضيل، فيتمنى الإنسان لو أن السنة كلها رمضان. فيا ليت هذا الهدوء لا يُبدّل إلى صخب السنة المزعج، ويا ليت الفتن تكف عن تعرضها لنا ككفها عنا في رمضان.
قبل أن نستمر ونعود لحياتنا الطبيعية، ينبغي أن نتوقف قليلاً عند رمضان ونثير سؤالًا مهماً:
كم هي نسبة نجاحنا في هذا الشهر؟
من منا نجح ومن الذي خسر؟ هناك علامات تدلنا على جواب هذه التساؤلات، فليقس كل منا مقدار تغيره، ولينظر هل نجح في رمضان أم لا، ومن علامات النجاح:
أن تجد في نفسك تغيرًا، ألا تكون خرجت منه كما دخلت. وليس شرطًا أن يكون تغيرًا جذريًا، لكن أن تكون على الأقل خرجت بمجموعة قرارات، كأن تترك ذنبًا، وتتخلق لديك قناعة
أنك إن استطعت ترك هذا الذنب ثلاثين يومًا فليس صعبًا أن تتركه طوال العمر. هذا التغيير الذي تلمسه في نفسك وإن كان طفيفًا علامة من علامات القبول.
من العلامات كذلك تغير الأهداف، فإن كانت أهدافك قبل رمضان، مجرد وظيفة مرموقة، أو ترقية في العمل، أو أيًا من هذه الأهداف الدنيوية، تتبدل تلك الأهداف
وتقيم هرم الأولويات المقلوب على رأسه، فتصبح الآخرة في مقدمة القائمة.
لنتحدث عن أربعة مشاكل رئيسية تواجهنا بعد رمضان:
المشكلة الأولى:
أن تقارف ذنبًا كبيرًا، بعد رمضان مباشرة ودون شعور، كأن تحضر احتفال فيه غناء وطرب، بعد أن قطعت عهدًا على نفسك أن تترك الأغاني والمعازف.
ثم تتساءل كيف أغوتك نفسك وأنت الذي اعتكفت عشرة ليالٍ، ومكثت ساجدًا قائمًا ولم تفرط بركعة، ولم تكن معصية صغيرة هينة بل كبيرة مخزية.
وتترتب عليها المشكلة الثانية: وهي أنك تكون مستقيمًا ومنقطعًا عن الشرور والمعاصي طيلة رمضان حتى إذا قيل غدًا العيد، عدت إلى حياتك القديمة، وتراءت أمامك المغريات
وأنت ما زلت تتردد ولم تجزم في قرار التوبة. وبعد أن تنتهي من المعصية، تفيق فتتساءل: ما الذي فعلته؟! فيشعر المرء أنه عاد إلى غفلته، فييأس من تغيره.
المشكلة الثالثة: الشعور بالتيه، وهو شعور يخالج الكثير منا، تشعر بأنك محتار لا تدري ماذا تفعل بعد أن انتهى رمضان، هل تعود لمشاهدة التلفاز؟
هل تعود لتلك التجمعات؟ ويصحب هذا الشعور شعورٌ بالهم، لأنك لا تريد أن تعود، ولكن لا يوجد لديك بدائل. وبسبب هذا التيه تشعر بضيقٍ غريبٍ ملازم لك من ثاني أيام العيد لا تعرف سببه.
وهذا الضيق يولّد المشكلة الرابعة:
وهي أن تعود لدائرة الراحة وهي الغفلة، تشعر بتعب من التفكير واتخاد القرارات؛ ويكون الحل الأمثل هو الغفلة وأن تعود إلى تلك التجمعات والملهيات.
فما أسهل أن يعود الإنسان لغفلته من غير شعور بتأنيب الضمير، ولا رغبة بالتغيير.
ولتتغلب على هذه المشاكل وتوجد لها حلًا يجب أن تعيد حساباتك وتضبط البوصلة، لذلك أوصيك بستة وصايا تعمل بها بعد رمضان:
الأولى: ألا تعود إلى ماكنت عليه قبل رمضان مهما يكن:
في رمضان تجد أن نفسك دومًا محلقة، ولديها عزم على فعل الخير، فتنتهي من عبادة وتتبعها بالتي تليها؛ لأنك تغذيها طوال الوقت.
فلما تقطع عنها الغذاء فجأة، بداية من يوم العيد، تعود حياتك كما هي. فأكثر ما يغفل المرء في الأعياد؛ والفرح في العيد هو عبادة لا شك، ولكن كيف أمسيت تلك الليالي؟
هل أديت نصيبك من قيام الليل؟ هل داومت على وردك من القرآن؟ عليك ألا تعود للحال الذي كنت عليه قبل رمضان، فتمر أيام العبادة والاعتكاف في المسجد على البال كشيءٍ كان وانقضى.
عد بفكرك إلى رمضان وراجع نفسك، ما هي الالتزامات التي فرضتها على نفسك؟ التوبة من الآثام؟ الازدياد من الطاعات؟
لا تسمح للشيطان أن يأتيك بعد ثلاثين يومًا، وهو يتفلت ويقاوم قيوده ليدمر كل ما بنيته في رمضان، ليسترد
المساحات البيضاء المنيرة بقلبك، ويحيلها ظلامًا دامسًا، فيأتي بكيده ليسوّل لك فعل المعاصي ليستزل قدمك إلى هاوية الذنوب.
وأرشدنا الله -عز وجل- للحل في سورة الأعراف، قال سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ الَّذينَ اتَّقَوا إِذا مَسَّهُم طٰئِفٌ مِنَ الشَّيطٰنِ تَذَكَّروا فَإِذا هُم مُبصِرونَ﴾ [الأعراف: 201].
والشيطان لا يلعب لعبته هذه مع العازمين وأصحاب القرار القوي، بل يترصد للمترددين، فاعزم على الرشد وهم مباشرة بعمل الطاعات ولا تعير انتباهك لوساوس الشيطان.
الثانية: احترم ضعفك
يمكن أن تحدثك نفسك بأنك بعد رمضان أصبحت أفضل وأقوى من قبل، وأنك ستستطيع أن تقاوم كل شيء، ولكن لا تنسى أن الإنسان ضعيف فاحترم ضعفك.
فربما لو سوّل لك الشيطان وزين لك الشهوات؛ غرقت في الحرام، وهذه أوضح علامات الضعف. والحل هو ألا تقترب من الحرام أساساً.
لا تجعل نفسك في مواجهة الذنب، لا تفتح تلك القناة، ولا تستمع لصاحب السوء ذاك، ولا تذهب للاجتماعات التي يحدث فيها ذلك المنكر، اجتنبهم تماماً.
فالباب الذي لا تريد فتحه لا تقربه، واترك كل ما يذكرك به، وأعلن ذلك إعلاناً، وأخبر من حولك أنك تائب من هذا الأمر، لكيلا يُحضروا ذلك المنكر أو يتحدثوا به، وهذا من احترام الضعف.
وبهذا يتبين عزم البدايات وصدقها؛ فالله ينظر إليك ويرى مجاهدتك، وإن صدقت نيتك؛ أعانك الله ليزول الذنب من قلبك.
الثالثة: استقم ولا تتردد
لا تتوقع أن قرار التوبة سيكون سهلاً على من حولك، بل سيحاولون تثبيطك وسيقولون: “هل أنت أفضل منا؟
هل نسيت ما كنت عليه؟ أنت قارفت هذا الذنب وذاك!” ويسردون لك تاريخ حياتك. وهذه كانت مشكلة لوط عليه السلام مع قومه، أنه لم يفعل مثل ما فعلوا، ولذلك عاداه قومه
لأنهم لم يريدوا أن يتطهروا من ذنبهم. قال الله -عز وجل-: ﴿قالوا لَئِن لَم تَنتَهِ يٰلوطُ لَتَكونَنَّ مِنَ المُخرَجينَ﴾ [الشعراء: 167] وقال:
﴿وَما كانَ جَوابَ قَومِهِ إِلّا أَن قالوا أَخرِجوهُم مِن قَريَتِكُم إِنَّهُم أُناسٌ يَتَطَهَّرونَ﴾ [الأعراف: 82 – 82].
فالمجموعة حين يتوب واحد منهم لا يشجعونه ويصفقون له، بل على الأغلب يتساءلون: “لماذا فعلت بنفسك هكذا؟” ويضعون لك ألف سبب لكيلا يبدون بأنهم على خطأ.
لذلك دورك الآن أن تستقيم ولا تردد. نفذ قرارات التوبة الآن، فقد أنهيت مناسباتك الاجتماعية، وفرحت بالعيد، وآن الأوان لتعود إلى جدولك.
هل أدرجتَ فيه صيام الست؟ هل بدأت بصيام القضاء؟ هل لصيام الاثنين والخميس مكاناً في جدولك؟ وماذا عن ثلاث أيام من كل شهر؟
كل هذه أجور وعبادات؛ فعد إلى الدائرة التي أحطت نفسك بها ولا تجعل إيمانك يتحول إلى مجرد ذكريات.
الرابعة: هي قول الله عز وجل: ﴿فَإِذا فَرَغتَ فَانصَب﴾ [الشرح: 7]
أريت عندما قارفت الذنب الكبير مباشرة بعد رمضان؟ أين كان الخلل؟ أنك منذ أن أحسست بالفراغ بعد العيد؛ أردت أن ترفّه عن نفسك
لأنك تستحق ذلك لِما فعلت من الطاعات بسبب اعتكافك وختماتك، فاستحسنت أن تلهو وتلعب. ولكن الله -عز وجل- قال: ﴿فَإِذا فَرَغتَ فَانصَب﴾ [الشرح: 7]
لم يقل فالعب، فامرح، أو روّح عن نفسك. حين تخرج من عبادة ادخل في عبادة، حتى وإن كانت أقل منها، ولكن لا تخرج من عبادة لتدخل في معصية، فهذه النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.
الخامسة: راجع خط سيرك
وهنا عد بتفكيرك للوراء، عد إلى أول رمضان وعيت به وبدأت بالاستعداد له، وارسم خط سير يبدأ من أول رمضان إلى آخر رمضان، وانظر إليه أهو في تقدم أم في انحدار؟
أم أنك ما زلت في نفس المستوى؟ لا تفكر بـ (هل أعتقك الله من النار أو لا؟) فالعتق أمر غيبي علمه عند الله -عز وجل-. وإنما ما يجب أن تتساءل عنه هو: (هل غيرني رمضان أم لا؟)
فعليك دومًا مراجعة خط سيرك، أن تبصر ما الذي يفنى به عمرك، وأن تعي أنك تسير رغبة في الوصول إلى هدفك الأكبر؛ إلى رضى الله وإلى الجنة، فهل أنت تستعد لليوم الآخر أم لا؟
فهذا ما خُلقت من أجله.
تخيل أن أعمالك في جدول بياني واحرص أن تبقى خطوطك مستعلية في الأرقام الموجبة، واحذر كل الحذر
أن تنحدر للسالب، هكذا تراجع نفسك وتحاسبها، ولا تسمح للشيطان أن يجرك للأسفل.
فعد وانظر إلى ركعاتك في الليل، ولا ترض أن تنقص منها ركعة، وراجع الركعات نفسها، كم من آية تقرأها في ركعتك؟
وأهم نصيحة في هذا الباب هي أن تراجع علاقتك بالقرآن، صاحب القرآن، ولا تترك لنفسك فرصة أن تهجره. فكيف بعد رحلة طويلة مع القرآن تضعه جانبًا؟
وليست التلاوة المجردة هي التي تغيرك، إنما تتغير إذا عملت به. لنتعلم القرآن، فهو لم ينزل لمجرد القراءة.
السادسة: احمل هم القبول وأكثر من الاستغفار
أمرنا الله عز وجل بعد كل طاعة أن نستغفره ونسأله القبول. وكان السلف الصالح يمكثون ستة أشهر يسألون الله -عز وجل-
أن يبلغهم رمضان، وبعد أن يُنوِّلهم الله مرادهم؛ يمكثون ستة أخرى يسألون الله أن يتقبله منهم. ماذا عنك؟
هل دعوت الله أن يتقبل منك اعتكافك في رمضان؟ أن يتقبل دعاءك بالعتق؟ ماذا لو لم تكن ممن أُعتقوا في رمضان؟!
ماذا لو كنت ممن لم يُغفر لهم؟! هل استرضيت الله -عز وجل- وسألته الغفران؟
شتّان ما بين من يطرق الباب مرة واحدة ثم يتوقف، وبين من وقف حين لم يبق أحد. وحين ولّى الجميع وانصرف ظل واقفًا عند الباب
يستغيث ويناجي ويبتهل، “يا رب اغفر لي يا رب اعتقني” وما زال هذا سؤله حتى يلقى الله سبحانه وتعالى.
فاحمل هم القبول في رمضان، وأكثر من الاستغفار؛ لأن الاستغفار يرمم ما نقص.
وأما من ساءه حاله في رمضان، ومن لم يسره تقصيره في العشر الأواخر، ومن يظن أنه فاته خير ليلة القدر، نبشّرك أن عطاءات الله
ليست محصورة في رمضان فقط، والعتق من النار لا يقتصر عليه كذلك، بل الله دائم العطاء. أقبل على الله ومتى ما أقبلت على الله جاءتك الخيرات، فمن رحمة الله بنا
أن العلاقة مع الله لا تنقطع، فلماذا نؤخر الأعمال الصالحة ونرجؤها إلى رمضان وكأننا لا نعرف أنه ينزل سبحانه في كل ليلة ويقول:
“هل من سائل فيعطى؟ هل من داعٍ فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيُغفر له؟”.
هذه كانت ستة وصايا نتواصى فيها بعد رمضان، أسأل الله أنْ يجعلنا من المقبولين فيه، وأن يجعلنا فيه من الفائزين. وأن يغفر لنا ويرحمنا، ويجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاه.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.



