بتاريخ ٣٠/ ٢/ ١٤٤٤ هـ
لسماع المحاضرة صوتًا
( كرمًا المحاضرة الصوتية للنساء فقط )
“بشائرُ مريمَ”
بسمِ الله الرّحمنِ الرّحيم
إنّ الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا،
من يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له ومن يضللْ فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ مُحمّدًا عبده ورسوله.
أمّا بعد:
حديثنا اليوم حول سورةٍ من السّورِ العظيمة التي لا تنتهي فوائدها، وهذه السّورة بالذّات -وجميعُ سورِ القرآن الكريم-
كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: “مثلُ التّمرةِ كلّما مضغتَها ازدادتْ حلاوةً”.
إذ كانت هذه السّورةُ أوّلَ أسبابِ إسلامِ النّجاشي، عندما قُرِئتْ عليه أوائلُ آياتها، فذرفَتْ عيناه الدّموع، ورسمَ خطًا في الحصا،
وقال: “وااللهِ ما جاوزَ عيسى بنَ مريمَ ما تقولون مقدارَ هذا الخَطّ”، فكان مؤمنًا بنبوّة عيسى.
نزلت السورة في وقت اشتد فيه الأذى على المسلمين بمكة، ومن المتوقع أن تنزل سور القتال، إلا أن الله أنزل سورة مريم لتكون بلسمًا للقلوب، وتربيةً إيمانية في أحلك الأوقات.
إنّ سورةَ مريمَ مليئةٌ بالدّروس والعِبَر، وسنقف عند بعضها:
أولًا: حُبُّ الله تعالى لعبادِه:
-يُظهر الله تعالى في السورة محبته لعباده باستجابته لدعواتهم في الضعف والخوف.
-زكريا دَعا فاستُجيب له رغم كِبره وعُقم زوجته.
-مريم حين تمنت الموت، أنطق الله ابنها وبشّرها وأطعمها.
-إبراهيم وصف ربّه بـ “إنه كان بي حفيا” أي لطيفًا عطوفًا.
-وختام السورة: ﴿سيجعل لهم الرحمن وُدًّا﴾ أي محبة في قلوب الخلق.
ثانيًا: الشّعورُ بجلالِ قدرةِ اللهِ تعالى:
-السورة تسرد ثلاث ولادات خارقة: يحيى من والدين كبيرين، عيسى من غير أب، إسحاق من أم عجوز.
-قدرة الله تتجلّى في خرق الأسباب، لتُعلّم المؤمن ألا يعلّق قلبه بها بل بالله.
-مثال: نجاة إبراهيم من النار رغم استحالة النجاة المادية.
-الدعاء والاستغفار من أعظم الأسباب للوصول إلى الممكنات المستحيلة.
ثالثًا: الاصطفاءُ:
-الاصطفاء نوعان: عام (لكل من آمن)، وخاص (للأنبياء والرسل والصالحين).
-كل نبي ذُكر في السورة اقترن بوصف روحي: “بارًا”، “مباركًا”، “مُخلَصًا”، “صادق الوعد”.
-الآية الجامعة: ﴿إذا تُتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سُجدًا وبُكيًا﴾ توضح صفة الخشوع الجماعي.
رابعًا: تحريكُ الأشواقِ لله تعالى:
-عرضت السورة نماذج لدعاء الأنبياء بإلحاح مع كمال الأدب:
زكريا: لم يذكر عُذرًا بل طلب.
أيوب: اكتفى بوصف الألم.
موسى: اعترف بفقره.
-هذه الأدعية تُحفّز المؤمن على أن يُقبل على الله بنفس طاهرة منكسرة.
إلماحةٌ حول امرأةِ عمران، وحملِها بمريم:
-نذرت جنينها لله، رغم أنها لم تكن تعلم أن الحمل أنثى.
-الله قبِل مريم رغم كونها أنثى، ورفع قدرها وقدّر لها آيات عجيبة.
-القصة تعزز مكانة المرأة الصالحة وقدرتها على صنع جيل الإيمان.
بعضُ خصائصِ سورةِ مريم:
-تأتي بعد سورة الكهف التي كانت مليئة بالحركة، فجاءت مريم بالسكون والسكينة.
-ذُكر اسم “الرحمن” ١٢ مرة، ما يجعل السورة مشبعة بالرحمة.
-بدأت بحروف مقطعة إعلانًا للتحدي، وتبشيرًا بأن ما يليها رحمة خالصة.
-السورة تمزج بين الرقة والعظمة، وبين المحبة والتحذير، لتُربّي الإيمان في القلب.
ختامًا:
تعلّم -أخي المؤمن- أنْ تبتهلَ بالدّعاء لربّك الكريم، وأنْ تلزمَ محرابَك، وتُكثِرَ خلواتِك مع ربّك العظيم، لا سيّما في مثلِ هذه الأيّامِ المليئةِ بالفتنِ والقتل، فالعبادةُ في الهَرْج كهجرةٍ إليه،
فمنِ اختارَ أنْ يتعبّدَ اللهَ تعالى في الهَرْج كأنّما هاجرَ مع رسول الله ﷺ من مكّةَ إلى المدينة، مع الأنصارِ والمهاجرين الذي هاجروا معه.
وهكذا تُعلّمنا سورةُ مريم أصلَ الرّجوع إلى الله عزّ وجلّ.
أسال الله العظيم أنْ يجعلَني وإيّاكم ممّن عبَدَ الله سبحانه وتعالى واتّقاه، وأنْ يجعلَ خيرَ أعمالِنا خواتمَها، وخيرَ أيّامِنا يومَ نلقاه.
أقولُ هذا والحمدُ لله ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلام على سيّد المرسلين، سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلّم.
* تنويه: مادة المحاضرة جمعت من مصادر عدة وجميع المحاضرات في المدونة ليست كتابة حرفية لما ورد في المحاضرة؛ إنما تمت إعادة صياغتها لتُناسب القرّاء وبما لا يُخلُّ بروح المحاضرة ومعانيها.



